2009/11/06

صاحب السلوان، قاذف المنجنيقات



جاء من "مدينة التدقيق والتحقيق" أو "مدينة المطلقين"، قفصة، ذات مارس من سنة 1953 ليدق عنق الفلسفة في كلية 9 أفريل ويطلق منها، وهو طالب بعدُ، كتابه الأكثر مبيعا "ما الفلسفة" سنة 1987 ثم يجترح بعده "ما الثقافة" و"الثقافة والجنسوية الثقافية" و"الجراحات والمدارات" حتى لقبته جريدة "لوموند" الدولية بفيلسوف الصحراء...
كانت كتبه تلك، وهي تدور في فلك الفلسفات مغربا ومشرقا، تتوهج مصطلحاتها وحكمها بصور الكلام العالي ومفردات المجاز المفرط في شعريته لتقوده نحو "كتاب السلوان والمنجنيقات" و"ديلانو شقيق الورد" ليثبت أن فيلسوف الصحراء هو أيضا شاعر الوجع الأممي... بعد أن "كسرته الدنيا"... مثلما يتكسر الطيران في بعض الأجنحة...
مثل العطر، سال حبره من الفلسفة، من "زهرة العصور ووردة المدن" إلى الشعر "زهرة الصحاري ووردة الرمل"... متأبطا بصيرة أبو العلاء المعري وطه حسين في دربه الحبري...
فيلسوف الصحراء، شاعر الوجع الأممي هو الكاتب الحر سليم دولة الذي أعاد منذ أسابيع قليلة نشر "كتاب السلوان والمنجنيقات" إمعانا منه في "تكسير أجمل ما في الدنيا وفتح أختامها وتقبيل أصابعها عضا..."، وهو "مكتوب" مُرسل رأسا إلى سامي الأزهر دولة في ضريحه الوطني، والى "صدام حسين المجيد" في شرفة شهداء الحرية وهما يطلان على "المتوغلين في الاحتفال بسفك الدماء"...
مكتوب السلوان "المصمق بالحبر والدماء والدموع والعرق وأشياء أخرى" مرفوع أيضا في بعض من أوجاعه إلى كل من "الفنان الفرنسي الفوضوي الرائع ليو فيري" والى "الشاعر كليم نفسه" و"إلى الذين أشاعوا" موت الدولة في سليم و"نعوه" وأيضا إلى "قدامة ابن جعفر الكاتب البغدادي" أنيس عزلة سليم وحصنه وصخرته في محنه المتناسلة، وكذلك إلى "صاحب كتاب المتاهات والتلاشي محمد لطفي اليوسفي"، و إلى "درة سليلة الروح" والى "الحكيم القفصي عبد الحميد الزاهي" والى "صاحب مملكة السنبلة عبد الوهاب البياتي الشاعر العراقي" والى "صاحب كتاب الجراحات والمدارات، إلى سليم دائما ودولة أحيانا" والى الشاعر عبد الوهاب الملوح وعبد القادر خليفة وطارق الصغيري...
لم أجد ابلغ من وصف سليم دولة ذاته لكتاب "السلوان والمنجنيقات" في الصفحة 90 منه عندما كتب ما يلي:
"هذا المكتوب المصمقُ في
حب الفقراء...
وكراهية الملوك والسلاطين والأمراء
ومن في هذا السياق من أعداء الأمة..."
أكتفي بهذا المقطع الشعري لأن الكتب الجيدة لا تترك لنا مجالا للكتابة عنها مثلما نشتهي، ولا تمنحنا القدرة على التماسك في تحبير جمل فضفاضة بتقنيات باهتة في محاولة للإيهام بفتح مستغلاقاتها أو الاقتراب من الأرض التي يقف عليها كاتبها... والمهمة تزداد عسرا عندما يكون النص شعرا، وتتضاعف أكثر عندما يكون كاتب الشعر سليم دولة...

2009/10/26

برج الرومي



كثيرة جدا هي الحكايات التي سمعتها من مساجين الرأي بسجن الناظور ببنزرت المعروف ببرج الرومي، وكثيرة جدا هي الكتابات التي قرأتها عن هذا السجن، وعن مغامرات وعذابات المساجين الذين مروا بزنازينه و"بلواراته" وساحاته، وآخر ما قرأته في هذا السياق كتاب فتحي بالحاج يحي وكتاب جلبار النقاش.
ولئن سبق لي أن جالست العديد من مساجين الرأي الذين مروا ببرج الرومي، فان فرصة الذهاب إلى تلك القلعة المنتصبة على أطراف مدينة بنزرت لم تتوفر لي إلا منذ أسبوعين تقريبا.
أوصلت صديقا، بالسيارة، لزيارة أحد منوبيه، وبقيت خارج أسوار السجن انتظره زهاء الساعة والنصف ساعة، كانت كافية بالنسبة لي لأكتب هذه البطاقة الأسبوعية وأرصد ضمنها بعض الملاحظات "العابرة" و"الخارجية" عن هذا المبنى المغلق على المساجين.
الطريق الجبلية الموصلة إلى السجن، أقل ما يقال عنها أنها سيئة ورديئة. تعرجاتها كثيرة وحفرها أكثر، وهي ضيقة جدا، رغم أن الحافلات الجهوية تعبرها، وحركة السيارات لا تهدأ فوق اسفلتها المهترئ، كما أن الإشارات الدالة على برج الرومي غير متوفرة بالشكل الذي يساعد الزوار على معرفة الطريق بيسر، خاصة وأن أغلب الزوار، على ما أظن، يتوافدون من مختلف الجهات.
أمام مدخلي السجن، أين يقبع الزوار، وأغلبهم من النساء، وتحديدا الزوجات والأمهات، حيث يقبعن إلى جانب قفافهن، فوق الحجر المتناثر تحت الأشجار المنتصبة أمام السجن.
المساحة الممتدة أمام السجن، تتناثر أمامها أكداس الرمل والأتربة والأسلاك الشائكة، فضلا عن الفضلات المتناثرة هنا وهناك ينبشها الدجاج يمنة ويسرة وتحوم فوقها جحافل الذباب، فلا يجد بها الزائر مكانا محترما يقضي فيه مدة انتظار دوره للزيارة التي قد تطول لأكثر من ساعة، ولكم أن تتصوروا وضعيه النساء المنتظرات تحت المطر في الشتاء أو تحت لهيب أشعة الشمس في أيام الصيف... كما أن السيارات الرابضة أمام برج الرومي تعطل حركة الطريق باعتبار أنها تقف عشوائيا على جانبي الطريق.
اعتقد أن بناء موقف للسيارات أمام السجن أمر ضروري وعاجل، وكذلك تخصيص مكان لائق بالزوار وزائرات المساجين أمر ضروري وعاجل أيضا، وأظن انه لن يكلف بلدية بنزرت، أو إدارة السجن عناء كبيرا، خاصة إذا ما تم تكليف المساجين بتنظيف المساحة الممتدة أمام السجن وبناء مأوى للسيارات وثان للزوار ومدرج موصل لباب السجن، ولمَ لا بناء مقهى أو مشربة مثلا، ينتظر فيها المرافقون للزائرين، مثلي، وتكون عائداتها لحساب إدارة السجن...
ملاحظات قد تكون عابرة وشكلية، ولكن اعتقد أنها ضرورية ولا تكلف الكثير، بل إنها ستعطي صورة جيدة لإدارة السجن، سجن برج الرومي... ولكي لا تكون حالة الانتظار سجنا ثان ترتفع أسواره النفسية والجسدية أعلى من جدران الاسمنت المسلح...

2009/10/16

المخرج الفلسطيني إيليا سليمان:



قريبا من الوطن بعيدا عن القضية



يصر المخرج والممثل الفلسطيني إيليا سليمان دائما على ابتعاده عن دائرة السياسة، إذ أنه لا يتردد في كل مرة في الإعلان عن هويته السينمائية بالأساس قبل أية هوية أخرى سواء دينية أو جغرافية، فقد سبق له أن صرح قائلا:"... أنا في النهاية سينمائي ولست سياسيا ومهمتي ليست البحث عن الحلول" وهذا الموقف يتجلى بصورة واضحة ضمن آخر عمل لإيليا سليمان "الزمن الباقي سيرة الحاضر الغائب" الذي يُعرض هذه الأيام بقاعة "آفريكار" بتونس العاصمة.
إيليا سليمان المولود في الناصرة عام 1960 والذي اعتقلته قوات الأمن الإسرائيلية ولم يتجاوز عمره السابعة عشرة... توزعت خطواته في أكثر من عاصمة أوروبية باعتباره كان محاضرا زائرا في مختلف جامعات العالم، من لندن إلى باريس وروما وبرلين وبرشلونة... فنيويورك التي احتضنته لمدة 12 سنة... وتوزعت رؤاه السينمائية والفنية عموما من فيلم إلى آخر، فكانت في كل مرة تضيق دائرة السياسة وتضمحل القضية الفلسطينية بأبعادها السياسوية لتتسع بالمقابل دائرة فلسطين الزعتر والزيتون، فلسطين البرتقال والدبكة... وجل أفلامه أن لم نقل كلها تشهد على ذلك مثل "سجل اختفاء" و"نهاية جدال" وطبعا فيلمه الأشهر "يد إلهية" الفائز بجائزة لجنة التحكيم في دورة 2002 لمهرجان "كان".
هي ذي فلسطين التي تطفو صورتها بشكل جلي في الأعمال السينمائية التي قدمها إيليا سليمان، والتي باتت يُشار لها بالبنان في كل مرة، فهي لا تنتهي في أفلامه وان انتفت القضية الفلسطينية، بل تبدو مثل منمنمة فارسية تبني صورتها قطعة قطعة، مثلما يبني إيليا سليمان مسيرته فيلما بعد فيلم، لكأنهما توأم فراش يكابدان الخروج من شرنقتهما، شرنقة "التسييس المفرط" لبلد تمادى في الجرح كثيرا... وشرنقة الالتزام المفرط في ايديولوجيته التي تقتل كل نفس إبداعي... ولذلك يمثل ايليا سليمان الضلع الرابع من المربع الذهبي للسينما الفلسطينية في المنفى إلى جانب ميشال خليفي ورشيد مشهراوي وهاني أبو سعد.
تكبر فلسطين الفرح، ويكبر معها إيليا سليمان المخرج المبدع، لا المخرج المتسربل بالسياسة واللائذ بالقضية الفلسطينية مطية سهلة...
يوغل في الرمزية وفي تصوير المشاهد العبثية التي تصل حد الدونكيشوتية، ولا تخلو أفلامه من الظلال السياسية والإشارات الواقعية التي يمررها بفطنة وحنكة متناهية الإتقان، تمنح جل أفلامه القدرة على إيصال الفكرة المراد تبليغها من خلال خلق فضاء شعري تأملي مشحون بواقع الفلسطينيين الحاضرين والمغيبين، وألئك الذين يصفهم هو بالممنوعين من الوجود حتى في الصورة المجازية...
لقد باتت تشكل أفلام سليمان تذكرة سفر إلى أعماق فلسطين، سفرة مجازية تؤمنها الرحلات الواقعية التي غالبا ما يستند إليها المخرج في أفلامه، ومنها فيلمه الأخير، الذي يصور معاناة الفلسطينيين في الضفة الغربية وداخل العمق الإسرائيلي من خلال الرحلة عبر الحافلة إلى مدينة رام الله حيث تتناسل مشاهد أرض البرتقال لتختلط مع مشاهد العنف المنظم والقمع المفرط لشعب بات مفخخا بالأمل...
إيليا سليمان لا يقترب من وطنه فحسب، بل انه يتماهي معه ويتورط في تفاصيله اليومية، فهو لا يتردد في كل مرة من التعبير عن إنغراسه في تربة فلسطين والتحليق في فضائها، واقعا وذكريات، ماضيا وحاضرا، من خلال عرضه المستمر، وبأشكال متنوعة ومختلفة، لسيرته الذاتية التي عاشها أو بحث عن تفاصيلها منذ 1948 ولسير أشخاص صنعهم خيال المخرج وما اختلفوا عنه في تشعب الحياة أمام بندقية الجندي، وبساطتها في رائحة البن الفائرة على طاولات المقاهي...
هذه التركيبة الثنائية، التعقد والبساطة، الحياة والموت... مثلت التيمة الرئيسية والمحمل الأساسي لرؤية إيليا سليمان الفنية والإيديولوجية التي تطورت وتعمقت بشكل تصاعدي طيلة العشرية التي أنجز فيها ثلاثيته السينمائية الروائية، "سجل اختفاء" ثم "يد إلهية" والآن "الزمن الباقي" ليتأكد لنا تشبث هذا المخرج بأسلوبه الحداثي وما بعد حداثي في استناده على مسرح بريخت وسينما قودار ...
إيليا سليمان يقترب من بساطة الوطن، ويسعى دائما للابتعاد عن تعقد القضية الفلسطينية، إلا أنه في كل مرة "يُفتضح" تورطه الواعي في القضية العادلة لشعبه، من خلال استناده لأحداث مفصلية في التاريخ الفلسطيني، بداية من إعلان دولة إسرائيل المزعومة سنة 1948 ومرورا بحرب حزيران عام 67 التي عجلت باحتلال الضفة الغربية فمعركة الكرامة في 68 والانتفاضة الأولى في 87 ثم ذكرى يوم الأرض الموافق لــ 30 مارس 1976 واتفاقية أوسلو في 93 وانتفاضة الأقصى سنة 2000 وغيرها من الأحداث .
أقوى من طلقات بنادق المقاومين، وأبلغ من بيانات التنديد والشجب والاستنكار السياسية، وبالموسيقى والأغاني وخاصة بالصمت المُثقل بالكلام، تتحدى أفلام إيليا سليمان مدافع الجنود الإسرائيليين وتفضح إصرارهم على تزييف التاريخ الفلسطيني وتشويهه، وتهب الحياة لفلسطين، ولو مجازا، وهي تُسقط أسوار الرعب المنظم المضروبة على شعبه الفلسطيني وعلى "الأقلية الفلسطينية" في إسرائيل، وهو واحد منهم.
"أن تكون فلسطينيا فهذا في حد ذاته تحديا"، هذا التصريح الذي قاله إيليا سليمان قد يُجمل بشكل واضح قيمة هذا المخرج وقدرته على تحويل "مواطنته الإسرائيلية" التي فُرضت عليه إلى "مواطنة فلسطينية" اختارها ودافع عنها في أفلامه مثلما تدافع الورود عن رائحتها والعصافير عن زقزقتها.

2009/10/09

بين أولاد أحمد وبن عثمان:وسقط القناع عن القناع




كل كاتب مشنوق بنصه، وكل نص على قدر الزيت فيه يضيء. قد يحرق النص كاتبه فيصير لعنته الأبدية، وقد يضيء سبيله فيصير قنديلنا الأبدي نرصد به انسجام الخطوات من تبعثرها في الدرب الحبري الذي يُكابده نصا بعد نص...ونختار بين إحراقه أو الاحتراق به.
وربما أفضل تشخيص لمهمة الكاتب/المثقف ذاك الذي قدمه المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد بقوله:" المثقف لا ينزع إلى تهدئة الأوضاع، وهو ليس معززا للإجماع، بل هو شخص يرهن وجوده كله للإحساس النقدي، وهو إحساس يشي بعدم تقبل الصيغ السهلة أو الأفكار الجاهزة أو البراهين الناعمة الملائمة تماما لما تقوله الجهات القوية أو التقليدية، وما تفعله ولا اقصد هنا عدم الرضا السلبي بل الاستعداد الفعال لقول ذلك على الملأ"... وأضيف على هذا الكلام فأقول بأن "الجهات القوية والتقليدية" لا تستعين بآراء المثقف لتقويم سلوكها وتعديل سياساتها بل إنها تعمل جاهدة على تدجينه واحتوائه لتنـزع عنه وظيفة النقد والسؤال والمحاسبة...
هي ذي مهمته الأساسية التي لا يتنازل عنها مهما كانت الإغراءات، غير أن تاريخ الكتابة، ومثلما يشهد على الموت المادي والرمزي الذي طال مئات الكتاب وهم يدحرجون كل الإغراءات تحت نعالهم، فهو أيضا يشهد على الآلاف من الذين سقطت أقلامهم تحت نعالهم، ولم نعد نعرف هل هم فوق الأرض أم تحتها... هل هم كتاب أم هم مستكتبون؟
من هذه الزاوية يمكننا أن نقف على "المناوشة" الحبرية التي حصلت مؤخرا بين الشاعر الصغير أولاد أحمد والروائي حسن بن عثمان، حيث أطنب بن عثمان بجريدة الصحافة في توصيف مناخ حرية الإبداع في تونس مستتشهدا بأولاد أحمد فكتب: "شاعر منشق، متمرد، سليط اللسان والقلم... ومع ذلك فإن تونس لم تغمطه حقه ولم تتعرض له بالأذى، إضافة إلى أنها تستلطف تطويحاته السلوكية" فرد عليه الشاعر أولاد أحمد بجريدة الطريق الجديد حيث كتب:" ... ولأن نعوتا مثل هذه تندرج في خانة قلّة الأدب المحض، وفي حفرة التعامل مع اللغة العربية بعقل دارج، وفي هوّة الغيرة المفضوحة من وضعية كاتب مستقل مثلي، افتكّ مساحة حريته بنفسه وبقلمه، بالرغم من الحروب المنظمة ضده بانتظام طيلة ربع القرن الذي نحن بصدد أدائه كلّ بطريقته... فإنني أتجاوز هذه النقطة لأبشّره بما لا يسرّه من أمور الدنيا التي يحبها حبّا جمّا ويستكثر علينا أن نعوّضها بالكتابة على الأقل...".
ما حدث بين كاتب "برومسبور" وكاتب "تفاصيل" قد يؤدي إلى أن "تنتفي كل صداقة زائدة عن اللزوم بل ينتفي لزوم الصداقة ذاتها إذ لا صديق للكاتب سوى سلاحه." مثلما أعلن ذلك بصريح العبارة الشاعر ضمن رده على الكاتب (وقد كان ردا فصيحا لن يجدي بعده تعقيب) غير أن انقطاع هذه العلاقة من تواصلها لا يعنيني في شيء، فهي بالأخير لن تكون أكثر من مناوشة ظرفية بين الرجلين وستتحول إلى نادرة بينهما في مجالسهم القادمة، أما ما يعنيني بشكل مباشر فهو هذا السقوط الصاروخي والانحدار الرهيب للعديد من الأقلام التي كبرنا مع نصوصها... وباتت تتهاوي، بكتابتها العرجاء، مثل فقاقيع الهواء والسحابات العابرة ولم تعرف كيف توطن جراحها ولا جراحنا مثلما يفعل المبدعون الحقيقيون.
هاهو "حسن" يلتحق بابنه الورقي "عباس" فيفقد صوابه ويُصاب بإسهال حبري في باب "ما قل ودل" وهو يُقر بأن حرية الإبداع جريمة تستوجب العقاب، وأن الوضع الطبيعي للمثقف هو أن يتعرض للأذى ويُجرم من أجل أفكاره أما غير ذلك ففضل ومنّة من السلطان؟؟؟ متناسيا أن فعل التهرئة الإبداعي والمَأسَسَة الثقافية والتهميش المُنظم... أشنع وأبشع؟؟؟
.......
عندما اقترح السلطان على الشاعر عمر الخيام، حسب رواية أمين معلوف في سمرقند، أن يحقق حلم حياته فيمنحه مرصدا فلكيا وبالمقابل يجاور المثقفين فينقل للسلطان أخبارهم ومواقفهم منه، أجابه"دعوني لنجومي".
فهل كثير علينا أن يصرخ "مثقفونا" دعونا لنجومنا، وأن يصيروا رموزا للثبات على الموقف في زمن تتحول فيه الأفكار إلى مروحة للهواء المتأكسد...

2009/10/01

حوار مع المسرحي معز القديري: فتح سوق الدراما مغاربيا سينتشل مبدعينا من غربة المقاهي


على العكس تماما من شخصية «زاك» في شرّها وتوترها الدائم وفي حيرتها وقلقها الوجودي، تتسم شخصية الممثل معز القديري بقدر عال من الأخلاق وبالاعتداد بالنفس وخاصة وضوح الرؤية في مشروعه الفني.

معز القديري مثال حيّ لفورة الشباب المتزنة ولإتّقاد طموح جيل يصر على سرقة النجوم اللألاءة وسط الظلمة التي باتت تسور دربه وتمعن في تكريس الاسماء المستهلكة حدّ الهلاك على حساب الطاقات المتناثرة...

عقد من الزمن وأنت على خشبة المسرح، فهل كنت تتهيأ للظهور في التلفزة بالشكل المتميز الذي شاهدناه من خلال دور «زاك» في نجوم الليل»؟

ـ هناك جانبان، جانب الوضعية وجانب الخيار، وكل وضعية تنتج بالضرورة خياراتها، الوضعية الموجودة تتسم بقلة الاعمال الدرامية و التي تكتفي في الغالب الأعمّ بالوجوه المستهلكة، وكأن الدراما التونسية حققت اكتفاءها الذاتي من الممثلين، وهذه الوضعية تحتم على الممثل خيارات معيّنة، فإما ان يعاود دائما المشاركة في اي عملية كاستينغ، أو أن يسعى الى بناء مسيرته بالطرق المتاحة له، أنا شخصيا اخترت ميدان المسرح ولم آت بمحض الصدفة وأخرت وقتي بعد التخرّج من المعهد العالي للفن المسرحي 2003 ثم واظبت على التكوين لمدة 4 سنوات وهو ما سمح لي بالدخول لعالم المسرح كممثل ليكبر الهاجس وأطرق ابواب الاخراج المسرحي وبداية من 2006 أخرجت اول عمل خاص بي وهو مسرحية «هيدروجان» وخلقت اطارا ومنظومة خاصة بي أتحرك ضمنها حاولت من خلالها تحقيق ما أمكنني من إكتفاء ذاتي ابداعي ومن اشباع فني كما حاولت قتل اللهفة على البروز في الشاشة.

تشبثي بطموحاتي مكّنني من خلق مشروع فني لا يشبه احدا سوى معز القديري، وصارت التلفزة بالنسبة لي إما ان تضيف لتجربتي وتتناغم مع مشروعي الفني وإما فلا.
المسرح يعلمك ان تحمل خطابا وأن تقتنع به وتدافع عنه ولذلك لم أكن مستعدا للظهور كوجه لمدة يوم او يومين، كنت أرفض ولازلت الظهور الكمّي أو الظهور لغاية الظهور.

ولكنك ظهرت في أكثر من عمل سينمائي؟

ـ في السينما، ظهرت في فيلم «بين الوديان» لخالد البرصاوي وتقمصت شخصية رئيسية تحمل خطابا وتحكي عن معاناة حقيقية تدفعك للتماهي معها.

كذلك في الافلام القصيرة التي ظهرت فيها مثل «عين وليل» وكذلك في «نسمة وريح» وفي "الضو في البحر» وهذا العمل الاخير يندرج ضمن ما يسمى سينما الفكر، وهي سينما دوغمائيّة نوعا ما وقد لعبت فيه دور حارس القرية الذي يمنع أهلها من الرحيل عنها وكذلك في فيلم «سويعة آذان» لعبت دور منشط اذاعي وكنت حاملا لصوت الشعب...

كل الشخصيات التي قبلت تقمصها لم تكن شخصيات اعتباطية او هامشية بقدر ما كانت شخصيات اشكالية تحمل دائما نقاط استفهام...

الى أن تقمصت شخصية «زاك» في مسلسل نجوم الليل!؟

ـ منذ البدء وفي اطار طبيعي وبظروف مثالية تم لقائي بكاتبة المسلسل ومخرجه، ومنحوني الثقة التامة من خلال الدور، وطبعا تجربتي المسرحية خوّلت لي تقمص الشخصية التي قدمتها.
مروّج المخدرات شخصية حديثة في الدراما التونسية ولذلك تطلب آداؤها جهدا مضاعفا من حيث البحث في اعماقها والنبش في تفاصيلها اليومية حتى تتمكن من معايشتها فعلا.
«
مروّج المخدرات» كنا نسمع عن هذه الشخصيّة الاجتماعية وصرنا نشاهدها، بل انها كانت شخصية شبه اسطورية وصنعت الاف الحكايات في المخيال الشعبي وصارت محور حديث الشباب وهذه الخصوصية هي التي تخوّل لمن سيتقمّصها ان يتحمل المسؤولية كاملة في اخراجها على الوجه الذي يجب ان تظهر عليه. شخصية «زاك» سقطت في الجانب المظلم من الحياة، شخصية تعيش حالة قلق وجودي وكوابيس وخوف، هي شخصية تراجيدية بكل المقاييس.
في «نجوم الليل» قدمت الشخصية في حالتها القلقة ولكن ايضا لم ننسى الجانب المشرق فيها، اي محاولة «زاك» التخلص من «محنة المخدرات» ولكن احداث المسلسل حتّمت ان تكون لحظة الوعي هي لحظة نهاية هذه الشخصية.

وهذا الاختيار مقصود طبعا، فالعبرة من شخصية «زاك» تتمثل اساسا في ان العدميّة هي المآل الطبيعي لمن يتجاهل انسيته الكامنة فيه، وان السعادة والرضا عن الذات لا تتحقق الا بالبحث في الذات والغوص في اعماقها.

هناك أسطورة معروفة، هي أسطورة ايزيس عندما جمع كل الآلهة وسألهم: أين يمكن ان نخفي السعادة والحقيقة؟ فاختلفت الآلهة عن موضع السعادة الأمين أهو أعماق البحر أم باطن الأرض أم لا متناهي السماء، الى ان أجابهم ايزيس بأن أعماق الذات البشرية هي المكان الذي يتجاهله الإنسان ولا يبحث فيه وهي بالتالي المكان الاكثر أمانا للسعادة والحقيقة...هذه الأسطورة حاولنا أن نجملها ونقدمها من خلال شخصية «زاك» التي كانت في ظاهرها شريرة في حين كانت في باطنها تعاني الصراع الابدي و التمزّق بين الشر والخير.

يبدو ان للمسرح فضل كبير في شحنك بتلك الطاقة الخلاقة التي تجلت في ظهورك التلفزي حضورا وآداء؟

ـ المسرح هو المخبر الحقيقي لاكتشاف الطاقة الكامنة في كل انسان وهو الذي يمكنك من التحكم في الادوات والقدرة على التركيز لمواجهة الجمهور وجها لوجه من دون مساحيق او آلات تصوير.

كما يوفر لك متعة لا متناهية، هذه الخصوصيّة المسرحية كلما تمكنت منها كلما لازمتك في حلك و ترحالك وبالتالي من الطبيعي ان تجيد توظيفها امام الكاميرا...

المسرح يدرّبنا على العيش الحقيقي بصدق ، وبعفوية الحياة ولا يوهمنا بأن الاقتراب من الشخصية التي نتقمصها يحتم علينا ان نمثل بشكل جيد، ومثلما تقول العرب «أنفذ من السهم الى القلب كلمة صادقة»، بمعنى ان يكون الممثل في خدمة الشخصية لا في خدمة شخصه، وكلما تقلصت نرجسيته امام الكاميرا كلما تماهى مع الشخصية التي يقدمها، وهذه غاية لا يبلغها الا الممثل الذي يحترم مشاهديه.

ولكن هناك العديد من الممثلين القادمين من خشبة المسرح ومع ذلك فشلوا في تقمص أدوارهم التلفزية، فكيف تفسر ذلك؟

ـ ببساطة كل من يفشل في دور تلفزي وهو ابن المسرح فهو بالضرورة لم يستوعب بعد ان المسرح عمل يومي وجهد دؤوب يتطلب الحفاظ على أدواته المسرحية وتطويرها بالثقافة وبالمشاهدة.
الممثّل الذي يقتنع بأنه قادر على لعب كل الادوار هو الممثل الذي بلغ بداية نهايته.
في أمريكا اخترعوا ما يسمى بممثل الاستوديو «Acteur studio» لإيمانهم بأن التمثيل هو بالفعل جهد يومي ولذلك ننبهر بأدوار» روبارت دينيرو» و «ألباتشينو»، فهؤلاء قضوا سنوات من العمل في الاستوديوهات، كذلك «توماس ريتشارد» الذي جمع ممثلين من جنسيات مختلفة من العالم ليتدربوا الساعات الطوال يوميا، وقد شاهدت احد اعمالهم في احدى دوراتهم التكوينية بالحمامات.

الثابت ان نجاح مسلسل «نجوم الليل» تظافرت فيه عدة معطيات لعل ابرزها الكتابة الجديدة؟

ـ أطول مشهد في السيناريو لم يتجاوز الصفحة الواحدة وكأنه كُتب اساسا للسينما بإيقاعه المتسارع، ثم ان المخرج «مديح بالعيد» هو مخرج سينمائي بالاساس وتعامل مع اكبر المخرجين في السينما العالمية وهو ما مكنه من خلق توجه كامل في الكتابة وايضا لا ننسى مدير التصوير" بشير المهبولي"

اجتماع هذا الثلاثي، الكاتبة «سامية عمامي» و المخرج «مديح بالعيد» ومدير التصوير "بشير المهبولي»، وطبعا لا ننسى رغبة قناة حنبعل في تحقيق الاضافة والخروج عن السائد والمألوف، لا يمكنه الا ان ينعكس ايجابا على أداء الممثلين وعلى كامل الفريق التقني الذي أمّن تصوير مشاهد المسلسل.

الكتابة الجديدة قدمت لنا وجوها قديمة بشكل مغاير تماما، وأخرجت منهم في 15 حلقة ما لم نشاهده طيلة سنوات طويلة ولعل المثال الأنسب هشام رستم ومحمد كوكة.
الكتابة الجديدة ايضا ساهمت بشكل ملحوظ في سرعة اندماج الوجوه الشابة مع أدوارها أولا ومع باقي الأدوار ثانيا حتى اننا في هذا العمل لم نعد نفرق بين الوجوه القديمة والوجوه الجديدة، فالكلّ انصهر في كتلة من الابداع والاضافة، وهذا ما انطلقت فيه الدراما السورية والمصرية منذ سنوات قليلة ففي مسلسل باب الحارة لبسام الملا مثلا لا نلاحظ وجود اي فرق بين الممثل الكبير «عبد الرحمان التراشي» وبين الوجوه الجديدة ، فالكلّ اصبح في خدمة الفريق لا في خدمة ذاته.

هناك سؤال يتردد كل سنة، لماذا لا ننتج الاعمال الدرامية الا في رمضان؟ ولماذا مع كل عمل درامي تثار دائما مسألة أحقية هذا الممثل او الآخر من عدمها في التمثيل وهل يمكن اختزال حل المسألة برمّتها في اعتماد بطاقة الاحتراف او ما يسمى الثلثين؟

ـ في علاقة بالانتاج الموسمي، هناك معضلة حقيقية تتمثل في عدم تسويق الانتاج الدرامي التونسي بسبب «الاسطورة» التي صنعها أخوتنا المشارقة والمتعلقة بعائق اللهجة، وهي ليست صحيحة، لأن تجاوزها امر بسيط، فيكفي ان يتعود مشاهد سوري او مصري او خليجي على لهجتنا حتى يتمكن من فهم كامل العمل، اضافة الى ان الراعي الوحيد للأعمال الدرامية هي الدولة التي تضع المليارات كل سنة في انتاج مسلسل او مسلسلين وهذا راجع الى ان المنتجين لديهم حالة من التوجّس والخوف من خوض غمار الانتاج التلفزي، رغم ان توجه الدولة يسعى الي تكثيف العمل الدرامي، لكن الدولة بمفردها لا يمكنها ان تضمن انتاج عشرة اعمال مثلا في السنة، ونلاحظ مثلا في سوريا او مصر غياب القطاع العمومي عن الانتاج فأغلب المسلسلات هي من انتاج خواص وتحديدا رؤوس الاموال الخليجية.
علينا ان نعرف كيف نغري المستثمرين والمنتجين او على الاقل نفتح سوق مغاربية مشتركة ونخلق حركة تبادل درامي بين الاقطار المغاربية الخمسة.

عائدات الاشهار لا تكفي لتكثيف الانتاج الدرامي والعشرة ملايين الذين يشاهدون عملا ما يمكنهم ان يغطّوا تكلفته المالية، قناة نسمة مثلا بدأت تشق الطريق نحو هذه المبادرة ويكفينا اتكالا على مهرجانات الاذاعة والتلفزيون والتحصل على جائزة افضل ممثل شاب!!!

ومسألة بطاقة الاحتراف والثلثين؟

ـ المسألة مرتبطة كما أسلفت الذكر بقدرتنا على فتح سوق حية ومتحركة وساعتها سيغامر المنتج وسنكتشف مخرجين متميزين واكثر من سيناريست سيخرج من صمته وحيرته «الوجودية» ويثبت وجوده وكذلك سينتشل كل ممثل من المقهى ليجد نفسه في موقعه الطبيعي وهو استوديو التصوير.

اما مسألة الثلثين فهي متعلقة اساسا بالمسرح، فالدولة تقدم دعما للمسرح يناهز المليارين سنويا فمن الطبيعي جدا ان تكون هذه العائدات لأصحاب بطاقات الاحتراف اما الموهبون فعليهم بالمثابرة والجهد ليتحصلوا على أحقية ان يكونوا ممثلين محترفين.

الى جانب مشاركتك في مسلسل نجوم الليل، أنت ايضا مخرج مساعد لمسرحية made in tunisia التي لاقت رواجا جماهيريا منقطع النظير، فكيف تقيم هذه التجربة؟ وهل سيؤسس لطفي العبدلي فعلا نهجا جديدا في مسرح الممثل الواحد؟

ـ مسرح «وان مان شو» يبقى رائده الامين النهدي وأعتقد ان هذا النوع يعيش أوجه في السنوات الاخيرة حيث تتالت التجارب من آدم العتروس وجعفر القاسمي ووجيهة الجندوبي وسفيان الشعري وصولا الى لطفي العبدلي، ما أضافته مسرحية «صنع تونسي» هي الكتابة المعاصرة وخلق الفرجة من خلال الاضاءة والموسيقى وحركة الممثل وغياب الديكور والأكسسورات، وايضا عفوية وصدق الممثل الذي جعله قريبا جدا من الجمهور وكذلك طبيعة مضمون النص وحرفية لطفي العبدلي الذي عرف كيف يقوم بعملية جرد وتكثيف لثلاثة عقود من تاريخ تونس وتقلبات المجتمع والتطور الذي حصل للمواطن التونسي، ولذلك فإن المشاهد الذي تابع هذا العمل لم يجد نفسه غريبا عنه وهو ما ضمن كثافة الجمهور حيث سجل دخول احدى عشر ألف متفرج في مهرجان قرطاج وصنفت المسرحية جماهيريا الرابعة بعد عرض صابر الرباعي وشارل أزنفور وأمينة فاخت.
وأعتقد ان أهم ما نجحت فيه المسرحية هو مصالحة الجمهور مع ركح المسرح، وقد يعتقد البعض ان هذا العمل كوميدي بالأساس في حين أن كل الوضعيات الكوميدية في المسرحية تم بناؤها دراماتورجيا على أساس الكوميديا السوداء وبُنيت على إثارة نقاط الاستفهام لدى كل من يشاهدها.

ولن أضيف على ما قاله النوري بوزيد وابراهيم لطيف بأن هذه المسرحية تعبّر عن "ثورة جيل يتمرد على السائد والمألوف ويتجاوز حدود المنطق السائد لصنع منطق جديد يشبه المرحلة التي نعيشها".



2009/09/28

نسمة على "بيت صدام" وبيوت الأذى السلطاني


بعد اغتصَاب الأرض العراقيَّة وانتهَاك حُرمَات جغرافيا ما بين النهرين، وبعد إعدام الرئيس الشرعي لجمهورية العراق العربية صدام حسين جاء الآن دور اغتصاب التاريخ من خلال السّرقات والنّهب وطمس معالم حضارة بلاد الرافدين في إطار مشهدي سينمائي...

صدّام حسين برؤية صهيو- أمريكية هي ذي ورقة بريطانيا وأمريكا... ورقة الثقافة الغازية... ذلك أن هيئة الإذاعة البريطانية BBC أنتجت قناتها الثانية فيلما عن حياة ومسيرة صدام حسين أخرجه جيم هانلون وأليكس هولمز الذي أسهم أيضا في كتابة السيناريو وقد اختارت هذه القناة ممثلا صهيونيا لتقمص شخصية الرئيس العراقي ويدعى «ايغال ناعور» والفيلم بعنوان «بيت صدام».

الفيلم شرعت قناة "نسمة" المغاربية في بثه منذ الأسبوع الفارط على أجزاء، رغم "مناشدة" الهيئة الوطنية التونسية لدعم المقاومة العربية في العراق وفلسطين بالعدول عن بث هذا العمل مثلما طالعنا في الصحف ورغم ما أبداه العديد من المثقفين والمهتمين من رفض لهذا العمل منذ إعلان تصوير أغلب مشاهده في تونس.

شخصيا لا أرى مانعا من بث الفيلم على القناة المذكورة لعدة أسباب أولها أن الفيلم أُنتج وطبيعي أن يُبث، وان لم يبث على هذه القناة فسيُبث على غيرها، وهو قد بُث سنة 2008 على القناة المنتجة له كما أنه متوفر على أقراص ليزرية، وثانيها أن رفض أي عمل من قبوله لا يكون إلا بعد مشاهدته لنُحسن الحكم له أو عليه، وثالثها أن هذا العمل بالذات سيقدم عدة حقائق من حقنا أن نطلع عليها، ولو أننا وددنا لو كانت بعيون موضوعية ولا يهم إن كانت عربية أو غربية... وقد أكد العديد من العراقيين الذين عايشوا صدام حسين عن قرب أمانة نقل الحقائق والأحداث ضمن هذا الفيلم...

طبعا هذا الإنتاج الصهيو - أمريكي لن يخرج عن إطار التشويه والتزييف لمسيرة الرجل وحياته أثناء حكم العراق ولن تكون قراءة الواقع والتاريخ العراقيين وفقا لمعطيات وحقائق الواقع والتاريخ العراقيين إلا بما سيخدم الآلة الصهيونية والعقل الصيهوني لتعزيز استحواذه على مستقبل المنطقة بعد أن أمّن ماضيها المنغرس في فلسطين ولبنان وما جاورهما... وسيكون فيلم «بيت صدام» مثل رواية «أرض الميعاد». ولن يضاهي دور الممثل الصهيوني «ايغال ناعور» دور «أنطونيو كوين» في فيلم «عمر المختار» الذي أخرجه مصطفى العقاد والذي أُغتيل هو الآخر قبل ان يخرج فيلما عن صلاح الدين الايوبي...

إن توظيف الثّقافة كسلاح حربي يمثل استراتيجية قديمة وهي مستمرة إلى الآن لنجاعته وفاعليته، وهو أيضا مستمر هناك، عند الآخر المستعمر ويكفي أن نذكر مدخل نابليون بونابارت لمصر... أما عندنا فالثّقافة كسلاح وجود، مقبورة بأيادينا نحن... لا بأيدي غيرنا... أيادي السلطة الرجعية والسلطة المتواطئة مع الاستعمار....

فالفيلم السياسي والمسرح السياسي والرواية السياسية والشعر السياسي... كلها مُصادرة ومُطاردة من قبل السّلطة السياسيّة فلا غرابة أن يُغتال غسّان كنفاني وناجي العلي، ولا غرابة أن يجنّ محمد شكري ويُنفى عبد الرحمان منيف، ولا غرابة أن يُغتال سعد الله ونوس وأن يُحاكم عاطف الطيّب ويُحاصر مظفر النواب وأحمد عفيفي مطر ومنوّر صمادح... وتظل كاميرا المخرج سابحة في سحابة التظليل والمغالطات والتستر على الفظائع المُرتكبة في كل قطر عربي... وفي تشييد بيت للأذى الدائم للشعب العربي...

وفي المقابل تنخرط الآلة الثقافيّة الرسميّة في تمجيد وأسْطَرَة السيد الرئيس الحاكم بأمره وتمجيد وأسطرة الحزب الحاكم الواحد الأوحد وتوظف كل مدّخرات شعبها وبلادها لترويج فلكلور مشوّه وشعوذة بائسة، وتكرّس ثقافة منبتّة لا تمتلك أفقا ولا استراتيجيا، ويكفي أن نقف على الموجة الجديدة للسينما المصرية أو الإطار العام لمسلسلاتنا التونسية ولبرامج المسابقات والأغاني لنلاحظ عمق الهوّة الفاصلة بين الرؤيا الصهيونية والأمريكية في مجال استثمار الثقافة والرؤيا الثقافية العربية في مجال طمس وردم الثقافة...

2009/09/25

حوار مع كاتبة مسلسل نجوم الليل سامية عمامي حان الوقت لتتخلص الدراما التونسية من قمقم الصورة الكلاسيكية المسطحة


أحدث مسلسل «نجوم الليل» الذي بثته قناة حنبعل في النصف الأول من شهر رمضان، نقلة نوعية خاصة على مستوى الصورة، حيث تخلص هذا العمل من الصورة الكلاسيكية الباهتة التي انحسرت فيها جل أعمالنا الدرامية إن لم نقل كلها، كما أن هذا العمل قدم للمشاهد وجوها جديدة وشابة أثبتت جدارتها وقدرتها على التمثيل.

من بين الوجوه الجديدة والشابة التي ساهمت في هذه الدراما كاتبته سامية عمامي التي كان لنا معها هذا الحوار.


لمن لا يعرف كاتبة مسلسل نجوم الليل، كيف تقدم سامية عمامي نفسها للقارئ؟

ـ درست بكلية الحقوق بتونس وتخرجت سنة 1998 بالحصول على شهادة في الدراسات المتخصصة، اختصاص نزاعات المؤسسة، وبعد فترة من التمزق بين حبي للفن بصفة عامة والفن التشكيلي بصورة خاصة وبين التجريب في الكتابة سواء المسرحية أو السينمائية أو التلفزيونية، انطلقت في العمل المسرحي حيث أنجزت مشروع تخرج مع طلبة المعهد العالي للمسرح سنة 2005 بعنوان «مسجل مجهول» وقد فاز بجائزة أفضل مشروع تخرّج وكذلك جائزة الجامعة وكان من تمثيل لبنى نعمان ويسالا النفطي ثم دخلت إلى مجال الاحتراف من خلال عمل مونودراما بعنوان "هيدروجين" حيث كتبت النص وأنجزت الدراماتورجيا وجسّده معز القديري وأخرجه أيضا للمسرح وعرض لأول مرة بفضاء التياترو في تظاهرة «العرض الأول» ثم شاركنا في مهرجان الفوانيس بالأردن، كما قمت بتربص مع المسرح الملكي لمدة سنة ونصف حول «الكتابة الدرامية الجديدة".

ثم كانت لك تجربة أولى مع الشاشة الصغيرة؟

ـ بالفعل كتبت سيناريو سيتكوم، سلسلة كوميدية، بعنوان «الكلوك» وهو مصطلح غربي يطلق على المشتركين في الكراء مع المخرج برهان بن حسونة، وقد قامت بإنتاجه قناة حنبعل وبثته السنة الفارطة في شهر رمضان، وهذا العمل هو الذي ساهم في التعريف بي لإدارة حنبعل، رغم أن التجربة لم تكن مكتملة، إلا أن صاحب القناة السيد العربي نصرة، منحني ثقته واقترح علي تجديد التجربة، فكان لقائي بالسيد المهدي نصرة المشرف على قسم الدراما بالقناة، والذي اقترح علي فكرة وتصور لمسلسل درامي وترك لي حرية الكتابة فيها.

تقصدين فكرة وتصور مسلسل «نجوم الليل»؟

ـ تماما، كانت فكرة وتصور المسلسل الذي تابعه المشاهد التونسي والعربي في الجزء الأول من شهر رمضان والذي كان بعنوان «نجوم الليل»، حيث أنهيت كتابة السيناريو في ظرف شهرين وإحقاقا للحق فإن الفكرة في حد ذاتها كانت الدافع الرئيسي لشحني وحثي على تطويرها وحبك تفاصيلها.

وبما أن فكرة السيد المهدي نصرة كانت فكرة حية و «ابنة الواقع»، فقد فسحت لي المجال للتجريب فيما يسمى الكتابة الجديدة للتلفزة، وهي التي تستعير مفرداتها ولغتها من الكتابة السينمائية المبنية أساسا على الصورة ودلالاتها، وهذا الاختيار هو الذي جعلنا نختار المخرج الشاب مديح بالعيد باعتباره سينمائيا وهو المؤهل للكتابة السينمائية التي أردناها، وهي الكتابة الخالية من "الكليشيهات" التلفزية.

ولكن ما هو دور عبد الحكيم العليمي الذي نطالع اسمه في جينيريك المسلسل؟

ـ الكتابة الأولى أفرزت ثلاثين حلقة، غير أن إدارة القناة، ومن اجل إعطاء حظوظ أوفر للمسلسل، قررت تقليص الحلقات إلى النصف فدعت السيد عبد الحكيم العليمي للقيام بهذه المهمة، وتم التقليص من مشاهد المسلسل.

طيب لماذا كل هذه الدراما المغرقة في السوداوية؟

ـ هو في الحقيقة المسلسل ككل مبني على صراع الخير والشر، صراع الحق ونقيضه، وكل الخيوط الدرامية تمت صياغتها في ظل هذا الصراع، حتى قصص الحب الموجودة في العمل تعيش تحت الحصار، أو هي قصص تحمل فشلها في داخلها.

أؤمن بقولة جبران خليل جبران «الآباء يأكلون الحٌسرم والأبناء يَضْرَسون» لأن شباب اليوم يدفع ضريبة أخطاء الكبار وصراعاتهم.

لا يمكنني أن أنكر بأن مادة المسلسل هي من الواقع المعاش ولكن هي بالأساس تأويل لهذا الواقع. فمثلا عندما أطرح علاقة حب بين شخصين، فإني أتساءل عن كيفية استمرار ذاك الحب، وبالتالي كيف تكون العلاقة بين شخصين مستلبين، فمثلا علاقة "مروى" و "أيمن" هي علاقة روحان ضائعان فالأولى تبحث عن فارس أحلام يأتيها على "هامر" بيضاء وينتشلها من الأحياء الشعبية والثاني مسلوب من حلمه ولاذ بعالم المخدرات ليعيش وهم الحياة، وبالتالي فالعلاقة بين هذين الشخصين لا يمكن أن تكون إلا كارثية.
الصورة السينمائية حققت للمسلسل قيمة مضافة وهي أول تجربة تقريبا في الدراما التونسية ككل؟
ـ هناك تجارب قامت بها التلفزة التونسية، مثل الشريط التلفزي "ولد البسطاجي" ولكن كانت تجارب منعزلة ولم تكن اختيارا من طرف القناة بقدر ما كانت اختيارات فردية من بعض المخرجين، عكس تجربة «نجوم الليل» التي هي بالأساس اختيار مدروس من قبل إدارة قناة حنبعل التي تسعى للرقي بالصورة التلفزية والارتقاء بالدراما الوطنية وجعلها قابلة للانتشار عربيا وعالميا، ولذلك لا نستغرب اختيارها لمدير تصوير المسلسل الشاب بشير المهبولي الذي تلقى تكوينا سينمائيا ودرس فن الصورة في فرنسا، وهو اسم ستذكره الدراما التونسية.
والصورة التي شاهدناها كانت نتاجا لتضافر عدة جوانب منها الجانب التقني، حيث تم استعمال تقنيات فيديو متطورة، والجانب الإخراجي المبني على خلفية سينمائية، ثم جانب الكتابة السيناريستية المعتمدة على البعد السينمائي أكثر من اعتمادها على الكلمة ولذلك عملنا على تكثيف لغة الحوار واختزالها والتعويل على الصورة كلغة مستقلة بذاتها وقادرة على التبليغ.
ولكن أيضا عملية اختيار الممثلين ساهمت بشكل كبير في نجاح المسلسل؟

ـ بالفعل عملية اختيار الممثلين ساهمت في نجاح المسلسل، ويعود ذلك أساسا إلى أن الاختيار كان مبنيا على منطق عدم تقديم الوجوه المستهلكة تلفزيا، فأغلبهم وجوه جديدة، والى جانب هشام رستم وعلي بالنور وفؤاد ليتيم ومحمد كوكة وسامية رحيم وعلي الخميري وغيرهم فإن باقي شخوص المسلسل، وجوه شابة، وحسب رأيي فإن هذا الاختيار يساهم في خلق نوع من «التغريب» الذي يشد المشاهد ويجعله يعيش رحلة اكتشاف، كما انه يتعامل مع الوجوه الجديدة من دون خلفية مسبقة أو تصنيف معين لهذا الممثل أو ذاك، ثم إن هذا الاختيار يساهم في إضفاء واقعية أكثر على الأحداث.

باعتبارك كاتبة المسلسل هل ساهمتي في عملية اختيار الممثلين؟

ـ عملية اختيار الممثلين هي بالأساس وأولا وأخيرا مهمة المخرج ولكن ومثلما هو متعارف عليه فقد كانت هناك مشاورات بيني وبين السيد مديح بالعيد مخرج المسلسل خاصة في الأدوار الأساسية، وعموما لم تكن هناك أية اختلافات بيننا بخصوص الممثلين.

هل تابعتي عملية التصوير وهل كان لك دور فيها؟

ـ حضرت أغلب المشاهد، وساهمت من موقعي كسيناريست، في تحوير بعض المشاهد كلما استوجب الأمر، واعتقد آن تواجد السيناريست أثناء التصوير لا يسبب عائقا في سير العملية مثلما هو سائد لدى العديد من السيناريست أو المخرجين، بقدر ما يساهم في إنجاح تصوير المشاهد، فالسيناريست هو بالأساس مبدع ولكن دوره يتحول إلى دور تقني أثناء التصوير، وكل ما يقوم به هو في خدمة الإخراج.

ولا أجد مبررا لاستمرار الصراع التقليدي بين الكاتب والمخرج بقدر ما أؤمن بأن هذا الصراع يمكن آن يكون «صحيا» وفي صالح العمل الدرامي ككل سواء كان مسرحيا أو سينما أو تلفزيا...

بعد كتابة «نجوم الليل» وبعد تجربة الواقعية التي ما تزال تكبّل الدراما التونسية، ألا تفكرين بكتابة نص مسلسل وثائقي مثلا أو فنطازيا تاريخية، مثل أعمال شوقي الماجري أو بسام الملا؟

ـ بالطبع، فمثل تلك الأعمال توفر متعة لا متناهية خاصة في البحث والكتابة، وهي تشكل نوعا من التحدي باعتبار انك تكتب في «تيمة» تاريخية أو قيمية بأسلوب معاصر وقريب من الناس، أي كيف تجدد التاريخ أو تعيد تصنيفه، ولكن المسألة تبقى إنتاجية بالأساس، نظرا للكلفة المادية العالية لمثل تلك الأعمال.

أنا شخصيا لا أقول بأنني أفكر في كتابة عمل درامي وثائقي مثلا أو في الفنطازيا التاريخية، ولكن أقول بأن لدّي القدرة على الكتابة في هذين النمطين متى طٌلب مني ذلك، ثم إن ما يعنيني أساسا هو «الصراع» الذي تقدمه الدراما، ولا أخفيك سرا بأن لدي ميولات لمَ يسمي «Les Filmes procés» أي تلك التي تقوم على «تيمة» الاستحقاق القانوني.

2009/09/23

بعد عرض التقرير السنوي الخاص به: هل تكفي التجهيزات والمنشآت للاقتراب من مشاغل الشباب؟


بحضور عدد كبير من الإعلاميين والإعلاميات، عرض السيد سمير العبيدي وزير الشباب والرياضة والتربية البدنية في لقاء وصفه بأنه غير كلاسيكي وستدأب علي تنظيمه الوزارة، عرض التقرير السنوي للشباب الذي جاء راشحا بالأرقام والنسب واللاحصائيات لمَ تم تحقيقه وانجازه لفائدة الشباب والرياضيين خلال السنة الجارية 2008\2009 تنفيذا لعدة قرارات وتوصيات رئاسية ووزارية بالخصوص. وقد تضمن التقرير سبعة محاور رئيسية هي الإستراتيجية الوطنية للشباب، الشباب والتعليم والتكوين، الشباب والإدماج المهني والتشغيل، الشباب والرعاية الصحية والاجتماعية، مؤسسات الشباب والترفيه الشبابي، الحوار مع الشباب ورصد شواغله، الشباب والنشاط الرياضي.

ومن بين المعطيات الواردة بهذا التقرير السنوي بخصوص التعليم والتكوين والإدماج المهني والتشغيل انتفاع أكثر من 60 ألف شاب من برامج الإدماج والتأهيل المهني مقابل 57 ألف سنة 2008 واستفادة حوالي 9 آلاف شاب من برنامج تكفل الدولة بنسبة 50 % من الأجور المدفوعة بعنوان التشجيع على انتداب حاملي الشهادات العليا و تشغيل 2357 معوقا من برامج التشغيل والإدماج المهني. كما انتفع أكثر من 36 ألف طالب من أبناء العائلات ذات الدخل المحدود بمساعدات اجتماعية خلال السنة الجامعية 2009/2008.

وفي ما يخص التنشيط الشبابي أشار الوزير إلى أنه سيتم قبل موفى سبتمبر الجاري مضاعفة عدد الحواسيب بدور الشباب بإضافة 2000 حاسوب جديد. كما أن الوزارة أمضت يوم 10سبتمبر اتفاقية مع شركة اتصالات تونس لربط كل دور الشباب بالـ (ADSL) ذات سعة تدفق عالية. كما وقع التخفيض في معلوم الإبحار على الأنترنات بدور الشباب بإقرار معاليم رمزيّة.

أما فيما يخص الجانب الرياضي فقد أشار السيد سمير العبيدي إلى الشروع في تنفيذ خطة تعميم الفضاءات الرياضية بدور الشباب بإحداث 35 فضاءا رياضيا بقيمة مليار و270 مليون من المليمات، كما تمت إعادة هيكلة الجامعات الرياضية الأولمبية في انتظار إعادة هيكلة الجامعات غير الأولمبية، وقد تم تجديد 39 جامعة رياضية سنة 2009 كما أشار إلى ارتفاع عدد المجازين في كافة الاختصاصات الرياضية ليبلغ عددهم 123.386 مجازا و29.465 مجازة.

وأشار الوزير إلى أن نسبة تجديد المكاتب الجامعية بلغت 59 بالمائة ، وتنامى حضور المرأة في مواقع المسؤولية صلب هذه المكاتب ليبلغ نسبة 23.52 بالمائة. كما تضاعفت منح الجمعيات الرياضية الصغرى من مليار وثمانية ملايين سنة 2008 إلى مليارين وخمسة وعشرون مليونا سنة 2009 وتم ضبط خطة مشتركة بالتعاون بين وزارة الشباب والرياضة والتربية البدنية ووزارة التربية والتكوين لدعم الرياضة المدرسية وتشكيل لجنة مشتركة دائمة لمتابعة تنفيذها (تجميع الشراءات المتعلقة بالأثاث والتجهيزات الرياضية/اقتناء 10 فضاءات رياضية متنقلة وتخصيص125 مليون سنويا لمكافأة المؤسسات التربوية المتألقة رياضيا)، والترفيع في الاعتماد المخصص لاقتناء التجهيزات الرياضية لفائدة المؤسسات التعليمية ليبلغ الملياران.

أما اللجان الوطنية التي ضمت خبراء، وفنيين، ومسيرين رياضيين والتي انكبت طيلة نصف سنة على دراسة الملفات الرياضية ذات الأولوية في القطاع وخاصة منها مسائل التمويل الرياضي وصيانة التجهيزات والسلوك الحضاري في الملاعب، فقد أعدت تقارير تضمنت مقترحات عملية سيتم عرضها في إبانها.

كما تم في إطار خطة وطنية لاكتشاف المواهب تأطير 390 ألف تلميذ في المدارس الابتدائية تم توجيه ما لا يقل عن 5000 منهم إلى خلايا النهوض بالرياضة بالوسط المدرسي المتبناة من طرف الجامعات والجمعيات الرياضية لإحكام إعدادها.

وذكر السيد سمير العبيدي للأموال المرصودة من قبل الدولة بكافة مؤسساتها العمومية لصيانة المنشآت الرياضية والشبابية ومنها المركب الرياضي والشبابي برادس الذي استأثر بمبلغ ناهز المليار و700 مليون للحفاظ عليه وصيانته باعتباره درة المتوسط وفضاء دافعا، مثله مثل باقي الفضاءات، للرياضيين والرياضيات وللجمعيات والفرق من التألق وحصد الجوائز على غرار السباح أسامة الملولي ومنتخبي كرة الطائرة والسلة ومنتخب الأصاغر لكرة اليد.

تبقى الأرقام والنسب والبنية التحتية بمبانيها وتجهيزاتها العصرية عنصرا أساسيا ورافدا مهما في الإحاطة بالشباب وتيسير عملية إدماجهم في السياق المجتمعي وتمكينهم من إثبات ذواتاتهم الخلاقة واستثمار مهاراتهم وطاقاتهم الإبداعية والإنتاجية وحتى "يعيش على إيقاع العصر وتحولاته" ولكن يظل المدخل الأساسي لهذا الرهان القدرة على الاقتراب بشكل بيداغوجي ومنهجي من التفاصيل البسيطة لحياة الشباب ومعرفة مشاغلهم الحقيقية في ظل النسق المتسارع للتغيرات الحياتية ووطأة البطالة التي تنهش كل طاقة خلاقة لدى أي شاب أو شابة، فالمعطل عن العمل لا يمكنه أن يستمتع ببرنامج ترفيهي توفره له دار شباب مجهزة بأحدث التقنيات، وآلاف المتخرجين من الجامعات والكليات والمعاهد العليا المشتتين بين مراكز النداء ومكاتب التشغيل والمقاهي تبدو عملية إدماجهم المجتمعية عملية دونكيشوتية ما لم تتوفر لهم فرص العمل التي سهروا لأجلها الليالي الطوال.

2009/09/18

هديّــة العيــد


عندما تعلو ضحكة صبي صغير على أخته الصغيرة فتتهاوى على الأرض مُضرّجة في جدائلها المُزدانة بفرحة العيد وألعابه يصير مشهد سقوط صبية وصبايا فلسطين والعراق برصاص الإمبريالية والصهيونية مشهدًا عابرًا...

تعلو ضحكات الصبي وأخته وهما يلعبان بمسدسين بلاستيكيين، أو بدبّابة أو رشاش معدني اقتناهما لهما والدهما أو والدتهما من إحدى مغازات لعب الأطفال أو من أحد الباعة المتناثرين يمنة ويسرة على أرصفة نهج بومنديل أو الكومسيون أوشارل ديغول أو نهج اسبانيا...

بذهنية الاستهلاك العشوائي يتهافت الأولياء على الألعاب الحربية بأبخس الأثمان وأغلاها كذلك.. وببراءة الأطفال وعفويتهم تضجُّ المنازل والبيوت يوم العيد بأزيز الدّبابات وهدير الطائرات والطلقات الناريّة البلاستيكية... وبين العشوائية والبراءة يتسرّب المشروع المُخرّب والمُدمّر لبصيص أمل وحيد في تكوين ذات إنسانية سويّة ومتكاملة.. في تنشئة جيل قادر على العيش فوق هذه الأرض من دون تقتيل أو تشريد.. من دون حروب أو دماء...

جولة قصيرة ومتأنيّة داخل أسواق المنصف باي ونهج بومنديل والكومسيون وشارل ديغول وكل الأسواق الشعبية منها والمنظمة والفضاءات الكبرى المزدحمة في هذه الأيّام تكفينا لنتأكد من أنّ ذهنية اللاّمبالاة ومواقف الصمت والتخاذل لا يختارها العربي وإنّما يتربّى عليها وبها يكبُر معه التواطؤ الداخلي ويتضاعف التدخّل والاستهزاء الخارجي وتحديدا الأمريكي والصهيوني ومن يعضدهما من أبناء جلدتنا الملتصقين بكراسيهم إلى حدّ الإهتراء...

هذا التدخل هو بالتأكيد الحلقة الأبشع والأفظع من حلقات مشروع تمتد إرهاصاته الأولى وبذوره الجنينية إلى برامج مدروسة بدقة فائقة قد لا ننتبه لها أو نعتبرها مسائل عابرة نُحمّلها ما لا تحتمل...

لُعب العيد هو ما يشغلني في هذه السطور، تشغلني وتعنيني بالقدر الذي تعنيني الهويّة، هويتي أنا، هويّة الطفل الذي سيصير شابا يحمل على عاتقه مشروع وطنه وأمته ويحمل رؤيته الإنسانية لهذا العالم الذي يجمعنا...

إنّ اللعب الحربية والعسكرية التي تُروّج في أسواقنا ومغازاتنا منذ سنوات قد لا تزيد عن سنوات الحصار العراقي أو عن سنوات الانتفاضة الثانية هي التي جعلت الشاب التونسي وبالمثل العربي عديم الموقف ممّا يجري في وطنه من تفقير له وتهيمش لآفاقه وتعطيل لطاقاته، مثلما تجعله عديم الموقف ممّا يدور في العالم من تخريب وتدمير وإفناء...

إنّ الايدولوجيا الإمبريالية التي تُمرّر في المعاهدات الجائرة والمواثيق المفروضة والاتفاقات المشروطة هي ذاتها التي تتسرّب عبر أكداس اللعب التي تخترق الحدود بفضل العصابات الاقتصادية والمافيات التجاربة.

قد يتبادر إلى أكثر من ذهن أنّي مُوغلٌ في التفكيك، مُسرف في التأويل.. وقد يعتبرني البعض أنّي أقمع الطفولة وأحرمها من اللعب، غير أني لا أُسرف ولا أقمع وإنّما يأسرني مشهد واحد وموقف واحد وخطاب واحد كنت أتمنّى أن أسمعه أو أتابعه عن كثب خلسة خلف أب (كان طفلا) يقنع ابنته (ستصير امرأة) بأنّ هذه العروسة/الدمية ذات الشعر الأصفر والثوب الأبيض قد تؤنسها في غرفة نومها ويمكنها أن تبوح لها بكل أسرارها من دون خجل أو عُقدٍ ويمكنها أن تتحاور معها كلّما خلت بها.. وتؤثّث بها سريرها...

إنّ التواصل الذي تحققه دمية العروسة لطفل أو طفلة مُخالفٌ للموت الذي تُعلنه طلقات الدبابات والرشاشات والمدافع البلاستيكية وهو ذاته (التواصل) الذي سيتطوّر وينمو في الذات لينعكس تواصلاً مع الآخر بنديّة ومن دون إملاءات أو شروط.. والموت هو ذاته الذي يكبر وينمو مع الطفل ليصير شابا جبانا ميّتًا في البيت والمدرسة والجامعة وفي عمله وفي الشارع وأمام المدّ الصهيوني والإمبريالي.



2009/09/17

استراتيجيا تربوية


تٌسقط العودة المدرسية كل المناسبات الأخرى فلا حركة رمضان ولا عيد الفطر تضاهي الحركية والديناميكية المادية والرمزية ليوم العودة المدرسية وما يسبقها من تحضير نفسي ومادي لا للأسرة التربوية فقط وإنما لكافة الشعب التونسي، إذ لا تخلو عائلة واحدة من تلميذ أو طالب يبني أيامه داخل القسم وعلى مدارج العلم والمعرفة، ولذلك تتجند كل الطاقات بدءا من الأولياء والتلاميذ وصولا إلى عمال وعاملات التنظيف والحراسة بمؤسساتنا التربوية والجامعية، طبعا إلى جانب الهياكل الرسمية وكذلك مكونات المجتمع المدني لا تتأخر عن المشاركة السنوية في الإعداد للعودة المدرسية... ويكفي أن نذكر أيام العلم التي يقيمها الاتحاد العام التونسي للشغل كل سنة احتفاء بالنجباء من أبناء النقابيين والنقابيات وتكريما للأسرة التربوية... هذا فضلا عن انكباب هياكله المعنية طيلة السنة الدراسية لمتابعة ودراسة ملفات النقل والترسيم والانتدابات ...

وستشهد السنة الدراسية الحالية (2009/2010) اهتماما خاصا ورسم خطة إستراتيجية من قبل وزارات الصحة العمومية والتربية والتكوين والتعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا وشؤون المرأة والأسرة والطفولة والمسنين والشؤون الدينية بتونس بالخطة التي أقرتها هذه الأطراف للفترة القادمة بهدف تفادى انتشار الفيروس أنفلونزا الخنازير الذي بات يُعرف بـ:"أي اتش 1أن1" بالمؤسسات التربوية خصوصا. وقد انطلقت وزارة التربية والتكوين في تنفيذ برنامج وقائي يرتكز على محاور أساسية أهمها التوعية والتحسيس وذلك من خلال تنظيم حصص تثقيفية لفائدة الإطارات التربوية للتعريف بالفيروس وطرق الوقاية منه وتوزيع دليل تدخل يحدد الإجراءات التي ينبغي على المؤسسة التربوية القيام بها عند اكتشاف حالة لها أعراض المرض.

وسيتم في اليوم الأول من العودة المدرسية تخصيص جزء من الحصة الأولى لتعريف التلاميذ بالفيروس إلى جانب تعليق ملصقات وتوفير محامل تربوية حول الطرق الوقائية التي يتعين إتباعها. كما سيتم دعم وسائل التنظيف وتوفير مستلزمات غسل اليدين وتخصيص فضاء للعزل في كل مؤسسة تربوية إلى جانب إعداد قائمة بالتلاميذ المصابين بأمراض مزمنة باعتبارهم الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس.

كما أحدثت وزارة التربية والتكوين خلية يقظة في كل مؤسسة تربوية لمعاينة الوضع الصحي ومتابعة غيابات التلاميذ والمربين بهدف ضمان استمرارية الدروس وتعويض المدرسين الغائبين.

وللإشارة فان العودة الجامعية لهذه السنة ستستقبل370 ألف طالب وطالبة من بينهم 75 ألفا مرسمون لأول مرة و133 ألف مرسمون بالجامعات الداخلية بينما يبلغ عدد الطلبة بالقطاع الخاص 13 ألف طالب.

هذه الأرقام والإحصائيات والديناميكية التي تَسمٌ أيامنا هذه والتي ستليها تظل مهمة ورئيسية وأساسية لدفع عجلة التقدم والرقي والتي لا تدور إلا من خلال المثابرة على النهل من منابع العلم والمعرفة والتمترس بالآداب والفلسفات والثقافات، وهي في تقديري الحلقة الأهم والتي لا توفرها لا الأرقام ولا المباني الجديدة ولا الشعارات الجوفاء، بل إن هذه الحلقة هي التاج والإكليل الذي يحمله المعلم والأستاذ وينقله من تلميذ إلى آخر وهو يكد ويجتهد طوال سنة كاملة من التدريس وإصلاح الفروض وانتظار وسائل النقل... وتأخر الأجور...

إن الإطار التربوي هو رأسمالنا الرمزي، ووحده الكفيل بحماية منظومتنا التربوية من التراجع أمام الزحف اليومي لكل أشكال الجهل والتخلف... فمدارج العلم لا تنحصر في الكتب والأقلام واللوحات والأرقام والإحصائيات... مدارج العلم هي الأخلاق التي كبرنا معها... احترام المعلم واحترام نبل رسالته... والعودة المدرسية لا تعني الكتب فقط وبناء المدارس بل تعني أيضا حماية حقوق الأسرة التربوية وتوفير أسباب راحتها حتى لا تصبح منظومتنا التربوية عشوائية وفوضوية كحال الأدوات المدرسية المتناثرة على أرصفة الشوارع ومثل الدروس الخصوصية فلن نجني آخر السنة إلا ما نزرعه في مفتتحها.

2009/09/12

موسم "البلطجة"


البلطجة تعبر عن سلوك غير سوي، فهي استخدام القوة في غير موضعها للترهيب والترغيب، والحصول على حقوق الآخرين في غياب القانون وعدم تفعيله. والقوة تكون مادية ومعنوية ومستمدة من نفوذ الآخرين. وهي بالتالي عمل غير شرعي، ومن أهم نتائجه إقرار شريعة الغاب، وتسييد مبدأ البقاء للأقوى بالقوة المهلكة أو الناعمة درءا لحالة الفشل التي يعيشها "البلطجي" سواء الفشل الاجتماعي أو الاقتصادي أو الإبداعي.

البلطجة هي الانتهازية بشكل إجرامي، ولئن ارتبطت تاريخيا بأصحاب المطاوي والعصي من مفتولي العضلات، فإنها لم تعد تقتصر عليهم وإنما صارت تشمل اليوم أصحاب الشهائد والمتعلمين والمثقفين والسياسيين وطبعا رؤوس الأموال، أولئك الذين يرفعون شعار "بلطج تعيش"...

ما يعنيني ضمن هذه المساحة هو "البلطجة" الإبداعية، تلك التي يأتيها بعض "المثقفين" أو تحديدا عدد لا بأس به من العاملين في الحقل الثقافي في تونس، ذلك أن هذه الظاهرة ـ المرضية طبعا ـ استفحلت بشكل خطير، خاصة في هذه السنة، سنة الاحتفال بالثقافة وبالمثقفين أمثال أبو القاسم الشابي وعلي الدعاجي والهادي الجويني... فبدأت الأوراق تتساقط واحدة اثر الأخرى وتناسلت أسماء الساطين والمسطو عليهم لتتصدر الصفحات الأولى للصحف ويأخذ بعضها طريق المحاكم... ولن أغالي إن قلت بأن هذه السنة هي سنة "البلطجة" الإبداعية بامتياز... وعديدة هي الأسماء التي تعانقت في دائرة "البلطجة" أذكر من بينها ما كشفه فرج شوشان عن كتاب "الموسيقى العربية بالأندلس أشكالها، تأثيراتها في أوروبا» لمحمد الكحلاوي وما حصل بين الكاتبين حسونة المصباحي وإبراهيم الدرغوثي بخصوص قصة قصيرة وما أثير حول كتاب أحمد بن صالح بين عبد الجليل التميمي وعبد الرحمان عبيد وما أثارته قضية حاتم القيزاني ووحيدة البلطاجي بخصوص مشروع "الصباح الجديد" في افتتاح الدورة 45 لمهرجان قرطاج الدولي ثم بين وحيدة البلطاجي مرة ثانية والهادي حبوبة حول عرض البساط الأحمر والقضية الجديدة بخصوص أغنية "وادي الباي" لمجموعة البحث الموسيقي التي أصدرتها هذه الأيام علياء بالعيد وقبلها أمينة فاخت وبلقاسم بوقنة...

إن "البلطجة" الإبداعية نتاج طبيعي لإحساس الساطي بالعجز المطبق والنضوب في ينابيعه الإبداعية قد يجره إلى التجاوز على جهود غيره والاستحواذ عليها من دون وجه حق أو إبداع تبدأ من السطو على جملة تائهة من فم شاعر تائه في شارع لتصل إلى السطو على كتاب بأكمله أو فكرة مسرحية أو فيلم أو أغنية أو مقال صحفي أو لوحة فنية أو مجسم معماري...

ورغم أن هذه الظاهرة ليست مستحدثة، وإنما ظاهرة قديمة ولئن اجتهد الناقد الروسي باختين في تبريرها بإطلاق اسم "التناص" عليه، وقبلها قال أبو حيان التوحيدي في "البصائر والذخائر": "إن الخواطر تتلاقى وتتواصل كثيرا والعبارة تتشابه دائما..." كما أشار ابن رشيق في كتابه "العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده" إلى أن "المعاني أبدا تتردد وتتولد والكلام يفتح بعضه بعضا" إلا أن الظاهرة ظلت عاهة مستديمة في جسد الأدب والثقافة عموما، ولم تساهم إلا في تفريخ المتطفلين والمتمعشين من الفعل الثقافي، سواء معنويا من خلال الشهرة أو ماديا بكسب مئات الملايين...

مسألة البلطجة الإبداعية تبدو مسألة أخلاقية في ظاهرها إلا أنها بالأساس مسالة حقوق، ذلك أن سرقة إبداعية تعني سلب المبدع طاقته وجهده الإبداعي لكي يتحول من منتج إلى مطالب بحقه المسلوب، هذا إن تجرأ وطالب به في خضم سعيه المحموم لكسب لقمة عيشه وتثبيت اسمه في الساحة الثقافية، كما أنها تعكس أحد أجل مظاهر هشاشة وضع المبدع في بلادنا رغم وجود غطاء قانوني (قانون 94) ومؤسسة يُفترض فيها قانونيا التدخل الفوري من أجل حماية حقوق التأليف المعنوية والمادية، إلا أننا لم شهد تفعيلا جديا للنص القانوني ولا جدية أيضا في تدخل هذه المؤسسة لحماية المبدع والقانون في حد ذاته، بل انه طالما عمدت أطراف متداخلة منها وزارة الإشراف (قضية الأمين النهدي والمنصف ذويب) على لملمة الملفات حفاظا على الوجاهة والحظوة التي اكتسبها بعضهم في أروقة المؤسسات وهو ما يترك باب "البلطجة" الإبداعية مشرعا على مصراعيه لتنامي هذه الظاهرة.

افتخر الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد بأنَّه لا يسرق الأشعار فقال:"ولا أغيرُ على الأشعارِ أسْرِقُها عنها غَنِيتُ وشرُّ الناسِ من سَرَقا"

2009/09/03

تاكسي خالد الخميسي (3)




إن المزاوجة بين اللغة الفصحى واللهجات العامية ظاهرة تقنية لم تبدأ مع أحمد الخميسي، فقد سبقه إلى ذلك توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ومحمد برادة وحنا مينة ومحمد شكري وعبد الكريم غلاب وصنع الله إبراهيم ويوسف إدريس وعبد الرحمان مجيد الربيعي وغسان كنفاني وغيرهم، بل إن كاتب روايتي "الأرض" و"الفلاح" عبد الرحمان الشرقاوي استخدم العامية فقط، وكثيرون هم الكتاب والشعراء الذين وظفوا الخطاب العامي ضمن مؤلفاتهم لإيمانهم بأن اللهجات العامية تضفي نوعا من الواقعية والصدق، وهو ما يعلنه بصريح العبارة أحمد الخميسي في مؤلفه "تاكسي"، وهناك من الكتاب من يوظفها لغايات إيديولوجية للتعبير عن الصراع اللغوي وفقا لصراع الطبقات الاجتماعية. كما أن كبار الكتاب الغربيين وخاصة منهم الواقعيين والطبيعيين مثل بلزاك وفلوبير وتولستوي وستندال وإميل زولا استخدموا اللغة التصويرية المباشرة القائمة على الريبورتاج الواقعي التوثيقي ومحاكاة الواقع وتصويره تصويرا تقريريا.

من المتعارف عليه انه لا يوجد سرد خام وأن الكاتب يقوم بمهمة يمكن أن نطلق عليها "الاستيعاب الاختزالي" لمادته السردية وهي مهمة قوامها إعادة توزيع وتجميع المقاطع السردية المتفرقة و"تنظيمها" بالشكل الذي يمكن أن تظهر فيه وكذلك بالشكل الذي يمكن أن يستوعبها والذي يمكن معه – وبقدرة الكاتب – أن تطرح الأسئلة بدل تقديم الإجابات، ولئن يلزم الكاتب بما يسمى "العقد الروائي" الماثل في جميع أنواع الخطاب السردي، والقاضي بأن يقوم المتلقي بالتقاط شروط المتلفظ واحترامها على أساس تمتعها بدرجة عالية من الحقيقة، فإن هذا العقد لا يلزم – بتاتا – الكاتب بالخضوع للشكل الخطابي الذي يتلقى به مادته الحكائية، أي شكل ملفوظه، فالمنطوق لا يمكنه أن يحدد طبيعة المكتوب شكلا إلا فيما ندر من النصوص التي تكون عادة نقلا حرفيا لوقائع حقيقية، وتكون بالتالي خالية من أي موقف يمكن أن يصبغه الناقل على ما نقله، في حين أن نص تاكسي تحتشد فيه المواقف الشخصية للكاتب احمد الخميسي في أكثر من موضع.

ولئن يوهمنا الكاتب بوحدة السياق النصية التي اشتغل عليها، والمتمثلة في المواقف والطرائف والحكايات التي يعيشها أصحاب التاكسيات في القاهرة بالأساس، فإن مجموع تلك الحكايات التي بلغت 58 حوارا أو حكاية، ضربت تلك الوحدة السياقية حتى في مستوى حركتها، وكأن القارئ أمام جملة من المقاطع المشهدية التي تبدو في الظاهر مكتملة البناء وهي في الواقع أوصال مجزأة مثل شريط مسترسل من الأنباء المتفرقة التي يعسر على القارئ الوقوف على تماسك وحدتها الدلالية المفترضة، وضمن هذا السياق يذكر لوسيان غولدمان بأن "اجتزاء الكاتب لبعض عناصر المضمون من الشعور الجماعي، أو بشكل ابسط، من المظهر التجريبي المباشر للواقع الاجتماعي المحيط به – هذا الاجتزاء ليس دائما منهجيا ولا عاما، ولا نجده إلا في بعض النقاط من هذا الأثر الأدبي، معنى ذلك أن الدراسة السوسيولوجية في توجهها خاصة نحو البحث عن التشابهات مع المضمون، قد أغفلت وحدة الأثر، أي طابعه الأدبي الخالص." ويضيف غولدمان فيقول:"إن انطباع المظهر المباشر للواقع الاجتماعي للشعور الجماعي في الأثر الأدبي، يبدو بشكل أوضح لدى الكاتب الضعيف القوة الإبداعية الذي يكتفي بالوصف أو الحكي دون أن ينقل تجربته الشخصية، وهذا ما يفسر كيف أن سوسيولوجيا الأدب المتوجهة نحو المضمون ذات طابع نوادري أو حدوثات." وهذا القول ينطبق تماما على كتاب "تاكسي". فعمل الكاتب/السارد هو بالأخير يمثل – مثلما يقول تودوروف – "أسلوبا مباشرا ولكن من درجة أعلى وبالأخص إذا كان السارد عنصرا من النص" كما هو الحال في "تاكسي".


2009/08/29

تاكسي خالد الخميسي (2)

إن اللغة، كما نعلم جميعا، هي المادة التعبيرية التي تنهض عليها الرسالة الإبداعية والإيديولوجية التي يروم أي كاتب إرسالها إلى المتلقي، حيث يصوغ الكاتب مادته اللغوية من خلال عدة تمظهرات سردية ووصفية ومشهدية وبلاغية وحرفية... ويشتغل على ناصيتها وقواميسها الحرفية والمجازية لاستثمارها ضمن السياقات التواصلية والتداولية المراد تبليغها، وقد عرفت اللغة تطورا جوهريا خاصة مع الشكلانيين الروس وتحديدا مع ميخائيل باختين الذي تجاوزت معه اللغة الكلمات القاموسية والألفاظ المفردة إلى تعدد الأصوات والمنظورات السردية والأجناس وتداخل الخطابات والأساليب اللغوية، وهي التي تتوفر في الرواية "البوليفونية" إلى جانب الحوار الداخلي والوصف والحوار الخالص والرسالة والسرد بمختلف تمظهراته واستعمال اللهجات المحلية وسجلات مختلف الشرائح والفئات المجتمعية، وما يعنينا ههنا ضمن نص أحمد الخميسي البعيد كل البعد عن جنس الرواية – وعن أي جنس أدبي آخر - من حيث الشكل ومن حيث المضمون، ما يعنينا، هو استعمال اللهجة المحلية المصرية في جميع المقامات التخاطبية التي قدمها الكاتب على ألسنة سائقي سيارات الأجرة (التاكسي) وخاصة ضمن الحوارات التي تدور بين السارد/الكاتب/ الراكب وبين سائقي التاكسي/الشخصيات، ومعلوم أن الحوار الجيد هو ما حسن تركيبه وسهل قوله واتضح معناه وانداحت فيه الكلمة ذات الجرس والرنين لحساب الكلمة المحددة والقوية.

وقد تعددت مستويات استعمال اللهجة المصرية حيث نجد المفردات من قبيل:(حواديت/حهرب/وسطينا/برضه/جوز/العربية/بالتلاتة/وش/كمان/بقة/غلاسات/طرمخوها/لبش/دول/يجيصوا/أونطة/البوجودي/كدابة...).

والجمل التامة من قبيل:

* وح القى العيال مش واكلة وامهم حايسة ولايصة (ص27)

* وبيسألو الاقتصاد بايض من ايه؟؟ (ص29)

* واحد ماشي معاه موبايل وفي بقة سيجارة (29)

* الكلام اللى ولابيودي ولا بيجيب (32)

* لخبطة جامدة بتخللي الواحد يتمخول (ص93)...

كما أدرج الكاتب جملة من المصطلحات الدخيلة على المحكي المصري والعربي عموما من اللسانين الانجليزي والفرنسي – وهما من مخلفات الاستعمار الغربي – من قبيل:(بيزنس/البروجرام/الشوز/الدش/النيون/بربريز/تيرموماتر/الفيتيس/موبايل/

البوكس/فيفتي فيفتي/يتكود/الكلوب/جاتوه...).

هذا التعويل على اللهجات المحلية وعلى الكلمات الدخيلة من شأنه أن يهمل القيمة النصية التي تتأتى - كما أسلفنا الذكر - من المحمل اللغوي بدرجة أولى، إلى جانب مختلف المكونات التقنية والجمالية الأخرى لأي نص سردي واضح المعالم مثل الرواية والقصة القصيرة والأقصوصة والنص المفتوح، فما بالك إذا كان النص الذي يطرحه علينا الكاتب أحمد الخميسي لا يندرج في أي جنس من هذه الأجناس السردية.

ولنا أن نقف على الهنات التي قد تلحق المعنى المراد إبلاغه من خلال توظيف مثل تلك المفردات المحلية والدخيلة والجمل. فكلمة "عربية" التي يقصد بها المصريون السيارة قد يفهمها قارئ غير مطلع على المحكي المصري العامي بأنها تعني اللغة العربية، وكذلك كلمة "كمان" التي تعني في العامية المصرية "أيضا" قد تٌفهم في النص على أنها اسم الآلة الوترية المعلومة للجميع، أما كلمة "دول" التي ترادف ضمير "هؤلاء" قد يفهمها القارئ على أساس أنها جمع لكلمة دولة، وكذلك كلمة "كدابة" التي تعني في النص "كاذبة" قد تٌفهم على أساس تركيب "مثل دابة"، وقس على ذلك عشرات المفردات العامية الموظفة في النص.

أما المفردات الدخيلة فهي أكثر تأثيرا خاصة على المستوى الإيقاعي لأي نص، وكان على الكاتب أن يكتب كلمة برنامج بدلا من "البروجرام"، و اللاقط الهوائي بدلا من "الدش" والمحرار بدلا من "التيرموماتر" والشاحنة بدلا من "البوكس" و الفرامل بدلا من "الفيتيس" والنادي عوضا عن "الكلوب"...



2009/08/26

تاكسي خالد الخميسي (جزء 1)

يؤكد بول ريكور ضمن مؤلفه "من النص إلى الفعل" على أهمية انتصار الأثر الأدبي عن ظروف إنتاجه النفسية والاجتماعية ليحقق بذلك انفتاحا لامتناهيا على سلسلة لا محدودة من القراءات المقيمة بدورها في سياقات سوسيو ثقافية مختلفة، إذ يقول :"على النص أن يكون قادرا على إزالة السياق على نحو يسمح بإعادته في حالة جديدة." مضيفا أن الكتابة تجد تأثيرها الأهم عند "تحرر الشيء المكتوب من الشرط الحواري للخطاب، ويترتب عن ذلك أن العلاقة بين الكتابة والقراءة لم تعد أبدا حالة خاصة للعلاقة بين التكلم والإصغاء".

استنتاج بول ريكور _ البسيط والمهم _ نستنجد به في مستهل هذه المقاربة التي نروم من ورائها الوقوف على "فشل" الكاتب المصري خالد الخميسي في الانتصار على ظروف إنتاج نصه الموسوم بـ:"تاكسي:حواديت المشاوير" في مستواه اللغوي بالأساس، لأنه _ في تقديرنا _ أهم محمل ينهض عليه أي منجز مكتوب نثريا كان أم شعريا، فمن المفردات والكلمات المنتقاة تتحدد وتتضاعف شحنة الفكرة أو الأفكار والمواقف المراد تقديمها والمنافحة عنها ضمن أي إصدار.

"تاكسي" خالد الخميسي "نص" ينهض أساسا على أيقونتي الصوت/الاصغاء أو المتكلم / الناقل، ويأخذ الصوت/المتكلم صفة التعدد (سائقي سيارات التاكسي) في حين يتسم المصغي/الناقل/الراكب/ الكاتب بصفة الواحدية من اول النص الى آخره، ويبدو أن الكاتب أحمد الخميسي واقع تحت سطوة النظرية القائلة ان في العمل الادبي " ترتهن الصفة الفنية والتعبيرية للغة الراوي والشخوص بالمفردات التي تتكون منها هذه اللغة" التي تنصص على ان استخدام تراكيب ومفردات لا تتناسب وطبيعة شخوص المتن السردي ومكانتهم الاجتماعية ولا تساير العصر الذي يعيشونه، ينتقص من القوة التعبيرية لأداتهم اللغوية ومن مستواها الفني... ولذلك استأنس أحمد الخميسي باللهجة المحلية المصرية وللحياة التي تسكن كلمات البسطاء من الناس الذين أهداهم كتابه كما ينصص على ذلك في الصفحة الخامسة منه.

وان كنا نتفق مع الكاتب على أن للغة وظيفة حكائية تهبها تلك القدرة الناقلة وتضفي عليها سمة التواصلية حتى تكون ترجمان الانسان عن نفسه أولا وعن الوجود ثانيا مثلما يقول الدكتور عبد السلام المسدي، لئن نتفق معه في ذلك، فاننا نختلف معه في أن الانسان/المتقبل/القارئ ليس بالضرورة متقبلا مصريا محضا، وليس قطريا بل هو عربي _ أي اقليمي _ وهو ثانيا كوني مثلما هو النص ينبثق من نقطة ما ليتسع على أوسع مدى لأن الفكرة ليست حبيسة الجنسيات على نسبيتها التي تثبتها طبيعتها الاجتماعية.

قدم أحمد الخميسي في بداية "نصه" تصنيفا واضحا لمَ كتبه حيث كتب في الصفحة التاسعة "يضم هذا الكتاب بين دفتيه بعض القصص التي عشتها وبعض الحكايات التي جرت لي مع سائقين من أبريل 2005 الى مارس 2006 ..." ويضيف في نفس الصفحة والتي تليها "حاولت أن أنقل هذه القصص كما هي بلغة الشارع، وهي لغة خاصة وحية وفجة وصادقة تختلف تماما عن لغة الصالونات والندوات التي اعتدنا عليها." ويوضح دوره ككاتب فيقول:" ودوري هنا ليس بالتأكيد مراجعة دقة ما قمت بتسجيله وكتابته من معلومات، فالمهم هنا هو ما يقوله فرد في المجتمع في لحظة تاريخية بعينها حول موضوع محدد، فالسوسيولوجي يفوق المعرفي في مرتبة أولويات هذا الكتاب."

جملة هذه الاشارات البيانية تلتقي حول عدم تصنيف الكاتب لم أنجزه بشكل مدقق، ولان كانت هذه مهمة الناقد بالأساس، الا أن العتبة التي كتبها الخميسي تفترض منه ابانة لصنف مكتوبه، أهو رواية أم هو يوميات أم مجموعة قصصية أم هو حكايات متناثرة أو نص مفتوح...

كما أن الخميسي يقر بأن لغة كتابه هي "لغة الشارع" وليست "لغة الصالونات والندوات" وكأن للشارع لغة بعينها مما يفترض _حسب الخميسي _ أن نمنح لكل فضاء "لغة" مخصوصة كالجامعات والمقاهي والحانات والادارات والمحلات والمواخير والمقابر، والأصح أن لكل فضاء خطابه/كلامه المخصوص وقاموسه المتداول بين من يتحرك في مجاله من المتكلمين، وعنه يمكن أن نَسمَ الكلام بالفاضل المحمود أو الهجين المذموم ولا يمكننا وصف اللغة بالحية والفجة والصادقة، ولا داعي هنا للرجوع الى الفرق بين اللغة والكلام والخطاب، ولكن يجدر بنا التذكير بالفرق بين الفصحى والعامية، فآما الاولى، أي الفصحى، فهي تلك التي تستخدم في الكتابات الأدبية والعلمية وفي المقالات والبحوث في الصحف وفي المجلات وفي أغلب وسائل النشر والاعلام والاتصال، أما الثانية، اي العامية، فهي تلك التي تجري على ألسن الناس في تسيير شؤون حياتهم العامة، فالأولى تقابل الثانية، ومجالها غير مجال الثانية، ولكل واحدة منهما نظامها الصوتي المخصوص وإيقاعها وجرسها الذي يميزها عن الأخرى.

2009/08/21

قَهْرَجَانَاتْ 2009 !

تَهبُنا اللغة ما لا يَطاله الخيال في بعض الأحيان، وتمنحنا فسحة أرحب لامتلاك ناصية بعض الأفكار التي يزفها لنا حدث ما عشناه أو عاشه غيرنا وروى لنا تفاصيله.

مجرد حرف واحد يحوّل مفردة مهرجانات الى مفردة "قَهْرَجَانَات" فيفتح لي باب التأويل على مصراعيه من خلال «القهر» ذاك الاحساس البغيض الذي يسعى كل فرد الى تفاديه...

مهرجاناتنا الصيفية الدولية منها والوطنية، الجهوية والمحلية تحولت في أكثر من مناسبة الى ما أسميته «قَهْرَجَانَات» من خلال بعض الممارسات التي يأتيها البعض في حق البعض الآخر فلا تترك الا الاحساس بالقهر والحسرة والتألم... ممارسات لم يسلم منها لا مسؤولو المهرجانات ولا فنانوها ولا الاعلاميون ولا حتى الجمهور العريض، ففي كل مرة نندهش بل نُصدم أمام فعل لا ثقافي وممارسة قهرية تُؤتَى فوق مدرج هذا المسرح الأثري أو داخل كواليس ذاك الفضاء الثقافي أو بأحد نقاط بيع تذاكر الحفلات أو... أو... أو...
مهرجانات صائفة 2009 لم تخل، ككل سنة، من تواتر أكثر من «قهرة»، وإن رغبنا في تعداد أو التذكير «بقهرجانات» 2009، وفي غير ترتيب زمني أو أفضلية مهرجان على آخر، يمككنا أن نعود الى «قهرة» سمير بالحاج يحيى مدير ما قبل أيام معدودة للدورة 45 لمهرجان قرطاج الدولي... فقهرة الشاعر حاتم القيزاني في حقوق تأليف فكرة «الصباح الجديد» التي افتتح بها مهرجان قرطاج من دونه، فقهرة الفنانة أمينة الصرارفي وفرقة العازفات بعد إلغاء عرضها بقرطاج دون مبرر... فقهرة المسرحي توفيق الجبالي من جمهور «ملحم الراس» حسب وصفه، لم يفهم «مانيفستو السرور» وهو يفتتح بها الدورة 45 لمهرجان الحمامات الدولي تكريما لعلي الدوعاجي، وعنها ايضا «قهرة» جمهور «المانيفستو» عن تلاشي مائتي مليون بين طلبة وأضواء التياترو... وفي نفس المكان، أي الحمامات، لا ننسى «قهرة» الأسعد بن عبد الله مدير المهرجان اثر إلغاء العرض المسرحي «تكتيك» بعد الضجة الاعلامية التي سبقته... وغير بعيد عن الحمامات وتحديدا على ركح مسرح رادس، وفي اطار حفله الافتتاحي أصيب الفنان محمد الجبالي بقهرة بائع الشاي ينط فوق الركح ويفسد عليه تجلياته الفنية...

نعود مرة أخرى الى مهرجان قرطاج، والى «قهرات» الزميلة هالة الذوادي من قناة حنبعل في كل ليلة أمام الكواليس الموصدة في وجهها وهي المستميتة من أجل حقها في المعلومة...

أما في استديوهات حنبعل فإن «القهرات» تتناسل، فواحدة للزميل وليد الزراع بعد أن أفسد القرع الأرعن لطبول عرس بأحد نزل بنزرت أين كان يتم تسجيل أحد حلقات برنامج «بدون مجاملة» و»قهرة» للزميل لطفي العماري من الفنانين الذين ضربوا نقابة المهن الموسيقية يوم تشكلت... فقهرة الفنان مقداد السهيلي يعلنها بكل حرقة بعد أن حُرم من المهرجانات الصيفية هو وعدنان الشواشي وغيرهما من الفنانين...

في بنزرت أيضا أصيب جمهورالمهرجان الدولي بقهرة جماعية بعد أن انسحب فضل شاكر من الركح بعد ساعة والنصف فقط ليلتحق بأحد الحفلات الخاصة بمدينة الحمامات... قريبا من بنزرت وتحديدا في طبرقة أصيبت ادارة مهرجان طبرقة الدولي للجاز بقهرة كبيرة بعد أن تركهم نبيل خمير في نصف الطريق.

أما «قهرة» «قهرجانات» هذه السنة فكانت بثلاثة رؤوس، استأثر بها الفنان الفرنسي شارل آزنفور، الأولى «قهرة» صحفية اشتعلت قُبَيل أن يحل بيننا ويبدو أنها لن تهدأ، والثانية «قهرة» مائية كادت تلحق آزنفور بأمينة فاخت فينبطح على ركح قرطاج انزلاقا لا رغبة وجنونا، و»القهرة» الثالثة شارة دخول الصحافيين الخاصة بحفله، اذ ارتأت ادارة المهرجان أن تمنح شارة دخول يتيمة لكل مؤسسة صحفية فهل يُعقل أن يحضر مثلا صحفي بجريدة دون مصور، أو يحضر «كاميرامان» دون صحفي تلفزي للحفل!!!

هذه بعض القهرات التي عشت بعضا منها أو سمعت عنها من بعض الزملاء وَسَمَت بعض حفلات مهرجانات صائفة 2009 والأكيد ان الكثير من القهرات الاخرى مرت في الخفاء ولن تختفي في قادم السنوات مادام الالتباس لا يزال يخلط أوراق التسيير الاداري بالأفق الثقافي.

2009/08/16

كرسي قرطاج


للكرسي حكمته الأزلية وسحره الأبدي، فأما حكمته فهي تقتضي أن من يصله أولا يستأثر به ولا تهم الوسيلة التي أوصلته، وأما سحره فيتمثل في أسر من يجلس عليه ويمنحه صفة الالتصاق النهائية فوق جلده الأثير وسيقانه البرنزية...

وقلة قليلة من الكراسي التي لا نلهث وراءها للفوز بامتيازاتها، لعل أقربها إلى أذهاننا ومخيلتنا الجمعية، كراسي الصف الأول بالمدارس والمعاهد والجامعات، فهذا الصنف من الكراسي لا يتطلب قوة مال ولا قوة عضلات ولا حتى قوة دهاء ومكر، بقدر ما تتطلب قوة علم وحب للمعرفة، وهي قوة نادرة وباتت غير متوفرة اليوم بشكل كبير...

وللجلوس على كرسي ما والاستئثار به طقوس معلومة وسياسة كاملة في فن الجلوس لا اعرف كيف سها الجاحظ عن ذكرها في رسائله...

المهم، ما يعنيني في هذه المساحة، من أصناف الكراسي وأنواعها ما وصفته بكرسي قرطاج، واعني تحديدا تلك الكراسي المصففة في نصف الدائرة المخصصة لما يناهز ثلاث مائة شخص يشاركون كل ليلة الآلاف المؤلفة من جماهير مهرجان قرطاج، أولئك الذين تكاد تلتصق مؤخراتهم كل ليلة، بالحجر الأملس للمسرح الأثري الروماني الذي تنتظم على ركحه منذ 45 سنة حفلات مهرجان قرطاج الدولي، ومنهم نحن الصحفيون المجبورون كل ليلة، في إطار عملنا، على مواكبة سهرات المهرجان وحفلاته...

أصحاب وصاحبات كراسي مهرجان قرطاج، لا تعنيني صفاتهم ولا مراتبهم الوظيفية أو الاجتماعية ولا ثرواتهم، بقدر ما تعنيني تلك الممارسات التي لا تليق بهيبة الكرسي الذي يجلسون عليه ولا بحكمته أو سحره...

أصحاب الكراسي يتعمدون دخول المسرح متأخرين، ففي كل حفل أحضره ألاحظ حلول معاليهم المكان عند اعتلاء الفرقة الموسيقية خشبة المسرح أو تماما بعد موسيقى استقبال النجم وفي أحيان كثيرة بعد استقبال الجماهير الغفيرة لهذا الأخير وتقديمه لشيء من أعماله... حينها يتناسلون بين الكراسي البيضاء، ينتشرون ببدلاتهم الأنيقة وفساتينهن الناعمة يوشحون المكان بعطورهم الثمينة غير عابئين بالمغنى والمُغنّي ولا المغنّى لهم، مع أنهم في الغالب يملكون سيارات تودعهم بأمان في الوقت المناسب بالمسرح ولا يمنعهم عن احترام الفنان وفنه تأخر وسائل النقل العمومي ولا اكتظاظها ولا رائحة العرق المعتق داخلها.

ثم أراهم كل ليلة يرفعون الكراسي فوق رؤوس الجالسين وكما لو أنهم على رقعة شطرنج يوزعونها مستسمحين الموجودين أو غير مستسمحين.. وفي أحيان كثيرة أراقب أياديهم ترتفع غضبا على أعوان التنظيم محتجين على التوزيع الغير العادل للكراسي متحججين بتذاكرهم حاجبين عنا رؤية المطرب، شاغلين إياه بحركاتهم المستعلية.

هم نفسهم الذين يأتون متأخرين كأنما يختبرون نجوميتهم الاجتماعية، يغادرون المسرح قبل انتهاء السهرة. يحبذّون الخروج في الظلام، فنراهم ينسحبون واحدا خلف الواحد أمام أنظارنا وأنظار المطربين والعازفين فلا يفلحون إلا في إحباط المبدع الساهر لأجلهم وإقلاق الجمهور العريض...

هذه بالفعل ظاهرة اجتماعية جديرة بالدراسة من طرف علماء الاجتماع وعلماء النفس وأهل الاختصاص، وهي تتكرر أيضا بالمسارح البلدية مثلا وفي قاعات السينما بشكل متواتر ومستفز خاصة للمبدع الذي يشعر لا محالة بنوع من الإهانة أو الاحتقار من خلال تلك الممارسات التي يأتيها أصحاب الكراسي.

بالأخير لا يمكنني إلا أن أقول بان الغاية تبرر الوسيلة وبأن أصحاب الكراسي ليسوا هم دائما أصحاب الكراسي...



2009/08/10

في انتظار أولى حلقاتها





هل تتخلص الدراما التونسية من جلباب الجهويات وتطال المسكوت عنه؟

أيام معدودة تفصلنا عن شهر رمضان لهذه السنة، الشهر الذي تقترن معه الانتاجات الدرامية على قنواتنا التلفزية العمومية منها والخاصة، وحتى لا نحكم منذ البداية على استمرار السياق العام للاعمال الدرامية التونسية التي لم تخرج منذ أولى أعمالها عن جلباب الجهويات وعقد اللهجات المحلية ولم تتطرق بعد بشكل مباشر للقضايا الحارقة كالبطالة والعولمة وهشاشة العمل والحركة الوطنية التونسية والمسائل القومية التي باتت حكرا على السوريين والمصريين، حتى لا نتجنى على انتاجات رمضان 2009 نتمنى ان تكسر هذه الاعمال النسق الروتيني لمضامينها المتشابهة وتطال المسكوت عنه وتحقق حدا أدنى من الجمالية... وفي انتظار أولى حلقات هذه الاعمال نقدم للقارئ أهم المسلسلات والاعمال الدرامية التي ستنطلق بعد اسبوع تقريبا حيث سيتابع على قناة تونس7 الجزء الثاني من مسلسل "مكتوب" لسامي الفهري من إنتاج شركة "كاكتيس" الذي سيسجّل مشاركة هند صبري، والفنانة اللبنانية باسكال مشعلاني والمسرحي محمد ادريس في أول تجربة تلفزية والممثلة دليلة المفتاحي والمنشطة الإذاعية والتلفزية بية الزردي.

كما سيتابع المشاهد على نفس القناة الجزء السادس والاخير ربما من سيتكوم "شوفلي حل" في 15 حلقة خلال النصف الأول من شهر رمضان، وسيشهد هذا الجزء مشاركة هشام رستم وجعفر القاسمي.

أما قناة21 الفضائية فستقدم عملين دراميين تونسيين هما "عاشق السراب" في الجزء الاول من رمضان وهو من تأليف علي اللواتي واخراج الحبيب المسلماني وتمثيل يونس الفارحي وليلى الشابي وعلي الخميري و"أقفاص بلا طيور" الذي سيعرض في النصف الثاني من شهر رمضان وهو من تأليف جمال شمس الدين وإخراج عز الدين الحرباوي وإنتاج سلمى بكار ويتقمص دور البطولة أحمد الحفيان اضافة الى مجموعة من الفنانين على غرار رؤوف بن عمر وجيهة الجندوبي وهشام رستم.

أما قناة حنبعل فستعرض مسلسل"نجوم الليل" للمخرج التونسي المقيم بفرنسا مديح بلعيد وسيقوم بأدوار البطولة كل من محمد كوكة وهشام رستم وسامية رحيم، كما ستقدّم سيتكوم "برا هكاكة" للمخرج برهان بن مسعود.

أما قناة نسمةTV فقد تستأثر بأكبر نسبة من المشاهدين بعد ان تحصلت على حقوق البث الحصري لمسلسل "هدوء نسبي" للمخرج التونسي شوقي الماجري.

2009/08/07

"خطوة القط الأسود": سرمدية الحقيقة في مواجهة سوداوية الواقع


عبد المجيد دقنيش

العرب اللندنية


بخطوات متوثبة نحو فريسة اللحظة الابداعية القصوى ومنتصرة لسرمدية الحقيقة في الكون، أطل علينا الكاتب الصحفي والقاص ناجي الخشناوي بمجموعته القصصية الأولى الموسومة بـ"خطوة القط الأسود" والصادرة حديثا عن دار ورقة للنشر في 104 صفحات من الحجم المتوسط.

المجموعة الحاملة لهذا العنوان الجميل المستوحى من احدى معزوفات الموسيقي المعروف أنور ابراهم، ضمت 15 أقصوصة حاولت إلتقاط سلطان الكلام وفتنته والغوص في ثنايا الحياة وتعرجاتها، وجاءت قريبة من الواقع المعيش للمواطن البسيط ومنفتحة على تطلعات الكائن البشري أينما وجد ونلمس ذلك من خلال العناوين التي حملت أكثر من بعد وأكثر من دلالة فنقرأ مثلا: "وصية جان جونيه" و"معاريج السجود" و"زوجا حذاء" و"درجة أولى" و"المقالة الافتراضية" و"خطوة القط الأسود" و"موعد النرجس" و"تراتيل بحرية" و"فايس-بوك" و"رجل الكلمات المتقاطعة" و"حكمة السمكة" و"غرق حبري".

ناجي الخشناوي الذي يدعي أنه قادم من عراء الأسئلة يفشل في إقناعنا بعراء الواقع وسوداويته -رغم النفس التشاؤمي السافر المسيطر على المجموعة -من خلال نجاحه في صياغة هذه الخلطة القصصية العجيبة التي تسافر بنا بعيدا في فضاءات خيالية وواقعية سحرية من امضاء مبدع يسير على مهل ومتمكن من لغته وقاموسه وأدواته الفنية التي يتوسل بها لاقناع القارئ بأنه أمام كاتب مازال في خطوته الأولى، ومع ذلك الذي يغوص في هذه القصص الطريفة الساخرة لابد أن يكتشف أن صديقنا ناجي يحلق بجناحين من ريح وما عادت تقنعنا كناية الخطوة الأولى رغم أننا أمام باكورة أعمال هذا الكاتب ولكن التجارب تثبت لنا أن سماء الابداع لا تتسع إلا لجدية التعامل مع المتلقي والصدق في التبليغ واستكناه التجارب السابقة وهضمها وهو ما نلمسه حقيقة في مجموعة "خطوة القط الأسود" التي تكشف لنا الوجه الآخر لناجي الخشناوي الذي طالما أمتعنا بحواراته ومقالاته الجريئة. وها هو اليوم يمتعنا بهذه الأقاصيص محاولا توظيف قراءاته وتجربته الصحفية والانسانية للتوثب على اللحظة الفنية الابداعية واقتناص الحدث اليومي البسيط وتحويله إلى أقاصيص يمتزج فيها الخيال بالواقع والحلم بالحقيقة والماضي بالحاضر.

ولعلنا في كل قصة نقرأها نلاحظ هذه القدرة العجيبة على استكناه واستبطان تفاصيل الحياة اليومية الهامشية وصياغتها بعد مرورها برحى الذاكرة، صياغة قصصية فنية تسبح بنا في عالم افتراضي من صنع ناجي الخشناوي ونقرأ ذل