بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...

2013/09/19

سجّان زياد الهاني... ليس إلا سمير ديلو

بما أن الإعلاميات والإعلاميين صاروا "يزورون" أروقة المحاكم وزنازين السجون أكثر من زيارتهم لمواقع عملهم، فقد منح قاضي التحقيق بالمكتب العاشر بالمحكمة الابتدائية بالعاصمة يوم الجمعة 13 سبتمبر 2013 الزميل الصحافي زياد الهاني فرصة تمضية إجازة نهاية الأسبوع المنقضي خلف أسوار سجن المرناقية، ولم يفوّت الزميل زياد الهاني الفرصة للاستجمام في المسبح المكشوف والقيام بحصة تدليك صحي منعشة، واغتنم الفرصة ليزيل بعض الأدران عن جسده المنهك في حمّام البخار بأحد أجنحة سجن المرناقية، كما جرّب الزميل زياد الهاني، لأول مرة في حياته، جلسة "اليوغا" قبل أن ينهي إجازته يوم الاثنين 16 سبتمبر 2013... ورغم أن زياد اضطر لدفع ألفي دينار "مقابل" إجازته بسجن المرناقية، إلا انه استمتع بكل أسباب الرفاهية المتوفرة بهذا السجن الذي تحول إلى مزار دائم لمن تدربت خطواتهم على الحرية، ومثلما دخل زياد الهاني السجن الصغير مرفوع الرأس، عاد يوم الاثنين إلى سجنه الكبير مرفوع الرأس أيضا، ليواصل خطواته الواثقة من أجل إعلام حر... قضاء مستقل... ومن أجل "شغل... حرية... كرامة وطنية"... لم يكن الزج بالزميل زياد الهاني مفاجئا، بل كان منتظرا لعدد كبير من الإعلاميين والحقوقيين والمحامين والناشطين السياسيين، وعدد كبير أيضا من القضاة، خاصة بعد أن بسط هوّاة الحكم الجدد سجّادة طويلة لمحترفي النظام السابق، احتفالا بعودتهم المظفرة من "نزهة" مؤقتة... سجادة تنتهي عند أقدام مائدة منتصبة داخل غرفة سرية تنتصب فوقها وليمة دسمة من الدسائس والمؤامرات لحياكة جبة جديدة لديكتاتورية "تليق" بوهم ثوري... جبّة يطرز أطرافها "أحباب الله" بذات الأصابع القديمة... ولكن بإشراف جديد اختار من الأسماء "وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية"... فسمير ديلو، وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، الذي كان صديقا للجميع ومدافعا "شرسا" عن حقوق الإنسان وعن الحريات العامة والفردية وعن الديمقراطية وعن استقلالية القضاء وحرية الإعلام... وكل ما صار اليوم في عداد "الكليشيهات الثورية"، ومنذ أن انتقل من وظيفة "الكلام المسترسل" باعتباره كان متحدثا رسميا باسم الحكومة، إلى وظيفة "الصامت الدائم" وهو يجلس على كرسي وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية في حكومة أولى برئاسة حمادي الجبالي، والتي أطلق فيها وزير الداخلية علي العريض، الرش على أهالي سليانة واغتيل فيها المناضل الوطني شكري بالعيد، ثم في حكومة ثانية ترأسها علي العريض ذاته "نُحر" فيها جنودنا الأبرياء... وانكشفت فيها وثيقة تدين معرفة المسؤولين بعملية اغتيال محمد البراهمي الشهيد الوطني الثاني... هذا السطر من "السّجل" الأسود الذي قد لا يُغلق في القريب، سيتصدّر سمير ديلو قائمة "الموقّعين" على سواده والموغلين في قتامته، باعتبار أنه وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية يتحمل مسؤولية توفير كل مقوّمات إنجاح مهمة المحاسبة وتعويض وجبر الضرر قبل المصالحة، ورد الاعتبار للضحايا وإرجاع الحقوق إليهم، ومحاسبة كل من انتهك تلك الحقوق ومعرفة الحقيقة كاملة ومساءلة كل من أجرم وأذنب بوجه عام، والمساعدة على الوصول إلى الوثائق والأرشيف لكشف قضايا الفساد السياسي والقضايا التي تعلقت بالفساد المالي والمتصلة بجرائم الاغتيالات والتعذيب والجرائم التي تشمل الشهداء والجرحى... فأين نحن من كل هذا بعد أكثر من سنتين ونيف... وأين الوزير ووزارته التي لعبت دورا كان من المفترض أن تضطلع به هيئة مستقلة محدّدة المدة والصلاحيات لا تعمل إلا على استقصاء الحقيقة لإنجاح مسار تطبيق العدالة الانتقالية... أو كان من الأجدى أن يضطلع بها المجتمع المدني التونسي... وهو المكوّن الذي يعلم جيدا سمير ديلو قدرته على تأمين الانتقال الديمقراطي بعيدا عن أي حسابات سياسية... المفترض بوزير "خَبرَ" متراك بن علي وأساليبه الموغلة في القذارة السياسية والانحطاط الأخلاقي، أن يوفر كل الشروط والآليات التي تساعد على إنجاح مسار الانتقال الديمقراطي السلمي بعيدا عن الاغتيالات والتهديدات والتكفير والترويع والانقلابات "الشرعية"... وبعيدا عن تكرار الأساليب القديمة كتدجين القضاء ومحاصرة الناشطين السياسيين وتشويههم، وإخماد الأصوات الإعلامية، والإصرار على تركيع النقابيين والإستقواء بالمؤسسة الأمنية... كان الأجدر بوزير مثل سمير ديلو أن يكرّم الزميل الصحفي زياد الهاني وهو يساهم من موقعه كصحفي حر في إنارة الرأي العام الوطني من خلال كشف بعض الحقائق... كان الأجدر بسمير ديلو أن يعتني بوليد زروق وهو يفضح مكامن الفساد داخل المؤسسة الأمنية... وكان الأجدر به أن يفتح مكاتب وزارته للطيب العقيلي وهو ينزع ما تبقى من أوراق التوت... كان الأجدر بوزير حقوق الإنسان أن ينتفض على الحكم الجائر، بل المغرق في السريالية، ذاك الذي كان ضحيته شاب تونسي مقيم بسويسرا قدم إلى تونس لقضاء عطلته الصيفية، فوجد نفسه متهما "بالاستماع لأغنية"... (لا الخيال العلمي ولا الروائي ولا السينمائي... قادر على حياكة مثل هذه التهمة، ولكنها حدثت في تونس)... كان الأجدر بوزير العدالة الانتقالية أن يساند تحركات المنظمات والجمعيات والمواطنين الرافضين للتعيينات الحزبية العشوائية داخل الإدارات والمؤسسات الحيوية... لأنها المدخل الحقيقي لتكرير الاستبداد بإخفاء جرائم العهد السابق من جهة وكسر عنق المواطن من جهة ثانية... كان الأجدر بالسيد سمير ديلو وزير حقوق الإنسان أن لا يقف صامتا ينظر إلى بنات وأبناء بلده من نواب المجلس الوطني التأسيسي وهم يتحركون تحت الحراسة المشددة، لا يهنؤون بنوم ولا ينعمون بحرية المشي فوق أرضهم... كان الأجدر بالسيد الوزير أن لا يغمض له جفن وهو يتابع عن كثب عودة رموز الاستبداد السابق إلى الواجهة وبالمقابل يتم اعتقال وسجن من كان في الصفوف الأمامية قبل 14 جانفي 2010... كان الأجدر وكان الأجدر وكان الأجدر... وكان... أن بُترت "أحلام" أم الشهيد وأماني أخت الجريح وصوت مذيعة أخبار الثامنة مساء... وحبر صاحب البطاقة الصحفية "مجرد رأي" (زياد الهاني) وصور صاحب فيلم "شاق واق" (نصر الدين السهيلي)... وكان أن طوت بسمة الخلفاوي العباءة السوداء لزميلك المحامي الشهيد شكري بالعيد غير أن ضحكته مازلت تتدلى من أعمدة قصر "العدالة"... وكان أن ترك الشهيد محمد البراهمي الأرقام والحسابات مفتوحة لأبناء شعبه المفقّرين بعيدا عن البطون المنتفخة في ليلة وضحاها... وكان أن اثبت التاريخ أن الصحافيين والمبدعين والحقوقيين والنقابيين والنسويات... كلهم باقون... أمّا الوزراء فذاهبون... ذاهبون... ــــــــــــــــــــــــــ (لا أعتقد أنه سيرفع قضية ضدي، ولكن أرجو، إن قرأ، السيد الوزير/الصديق سمير ديلو هذا المقال أن لا ينشر بيانا توضيحيا على صفحته الخاصة بالفايس بوك، كعادته، فهذا مقال رأي وليس خبرا صحفيا...)

2013/09/05

بين صلابة البيضة وهشاشة الترويكا

قد تمنحنا اللغة فائضا لا متناهيا من الاستعارات والمجازات لنجمّل أفكارنا ونطرح رؤانا، إلاَّ أنها، أي اللغة، تظل عاجزة عن "ستر" الفكرة المُراد تبليغها، غير أن هناك من الأفكار التي تتلبّس بك على غير موعد فلا تجد لها ما يكفي من المجازات والاستعارات لتجمّلها وتطرحها... ومنها الفكرة التي أريد إيصالها رأسا، ودون مواربة، إلى صديقي الدكتور المهدي مبروك وزير الثقافة المؤقت في الحكومة المؤقتة... الفكرة التي تراودني منذ حادثة "بيضة دار الثقافة ابن خلدون"، وبعد "إلقاء القبض" على المخرج والممثل السينمائي نصر الدين السهيلي، هي ضرورة ووجوب سحب القضية العدلية المرفوعة ضد "مبدع متمرّد" من طرف مثقف بتنا نخشى عليه من "الذوبان الرسمي"... وأعتقد جازما، أن هذه الفكرة (فكرة سحب القضية العدلية) تقض مضجع عالم الاجتماع الدكتور المهدي مبروك كل ليلة، ويتمنى أن ينفذها في الحال، لولا انتماءه، كوزير للثقافة، إلى تركيبة حكومية مؤقتة فرضت عليه، من حيث يدري ولا يدري، أن "ينضبط" لــ"هيبتها الموهومة"... وهو المتأرجح بين منزلته الرفيعة كعالم اجتماع محترم له رؤى وأفكار تقدمية وايجابية، وله طلبة استفادوا من دروسه، وبين موقعه اليوم كوزير للثقافة في حكومة تفتقد لرؤية ثقافية تعزز تاريخ هذا الشعب وهذا البلد ثقافيا وحضاريا... وتماما مثلما يحضر الدكتور المهدي مبروك الفعاليات الثقافية ويزور الفضاءات دون حراسة مشدّدة أو بهرج زائف ويتحدث مع الناس والجمهور ويناقش مع المبدعين والمثقفين دون استعلاء أو تطاوس لإيمانه أنه حرٌ في شوارع بلده قبل إن يكون "أسيرا مؤقتا" لكرسي وزاري، أعتقد جازما أيضا أن نصر الدين السهيلي لو كانت له نية الاعتداء الفعلي على وزير الثقافة، لتسلّح بهراوة أو سكين أو حجر صلب، حتى لا نقول مسدس (وهو المتاح اليوم بفضل حكومتنا الرشيدة)... ليكون الاعتداء ذا جدوى ويلحق الأذى الفعلي بـ"خصمه" (وهو ما لا نتمناه طبعا)، ورغم تحفظي على شكل التعبير "العنيف" عن رفض السهيلي، لا لمهدي مبروك، بل للبيادق الجديدة المحيطة به، فإني اعتقد أن اختيار "البيضة" أداة للتعبير، لها من الدلالات ما يمنح الدكتور المهدي مبروك القدرة على تفكيك شفرات الرسالة الموجه له من مبدع حقيقي ثائر ومتمرّد اسمه نصر الدين السهيلي... رسائل، لعل ابسطها أن مبدعا مثل نصر الدين السهيلي عرفه السيد الوزير في ساحات النضال اليومية ضد نظام بن علي قبل أن "يطلع البدر" في مطار قرطاج... وتزحف علينا الجحافل الغريبة التي لا تتقن سوى تسوية ربطة العنق والتطاوس الأرعن... إلى جانب الحربائيين القدامى/الجدد هنا في تونس، كذاك الذي نخر آذاننا بقرعه المستهلك كل احتفال بالسابع من نوفمبر، وها هو اليوم ينقضّ على الحادثة لينجز "أغنية" تضامنا مع المهدي مبروك، طبعا، لا باعتباره مثقفا، بل باعتباره وزيرا قد يمكّنه من بعض الملايين... (واجزم أن هذا "الفنان" لم يكن يسمع أبدا باسم المهدي مبروك أيام النضال ولم يقرأ له ولو مقالا يتيما)... أعتقد أن نصر الدين السهيلي "داعب" مهدي المبروك المثقف والمناضل التقدمي حتى يُسقط في داخله مهدي المبروك الوزير المؤقت... رغم أن مهدي المبروك له كل المؤهلات ليكون وزيرا للثقافة، ولكن ـ بصراحة ـ خارج هذه التشكيلة... ما يعزّز فكرتي التي أسوقها رأسا إلى صديقي الدكتور المهدي مبروك دون سواه (ولا أستجديه وهو يعرف ذلك) ليعلن سحب القضية العدلية ضد الممثل والمخرج السينمائي نصر الدين السهيلي، هو الإيقاف اللاقانوني للزميل مراد الحرزي، المصور الصحفي بقناة "اسطرلاب TV" واعتقاله على خلفية تصويره للحادثة بين نصر الدين والوزير، (ليحاكم بتهمة إزعاج راحة الغير عبر الشبكة العنكبوتية، وتكوين وفاق من أجل الاعتداء على موظف بعد أن رفض سحب الفيديو المصور وقام بنشره لتفنيد رواية الاعتداء باللكم والضرب على الوزير) وهو ما دفع بالمتحدث الرسمي باسم القناة، الممثل المسرحي أحمد أمين بن سعد الدخول في إضراب جوع مفتوح حتى إطلاق سراح مراد الحرزي. أما من الجهة المقابلة، فإن "الهبّة" غير المسبوقة وتهاطل البيانات الحكومية والرئاسية الشاجبة لهذه الحركة لم نرها مثلا عندما تم الاعتداء وطرد السيد المهدي مبروك ذاته في مدينة الشابة أثناء حضوره مراسم جنازة الشهيد الملازم الأول صابر المكشر، ولم نرها أثناء أحداث العبدلية (رغم الموقف الوزاري الغريب) ولا أثناء حرق وتخريب مقامات الأولياء باعتبارها إرثا ثقافيا وحضاريا... ولم نرها... وهذا كاف لنعرف كيف تتعامل "الحكومة" مع الوزراء الذين اضطرت إلى تعيينهم... والتي تحسب الأيام والليالي "لتطردهم" حال تنقض نهائيا على الحكم... ولئن استحسنتُ موقف الدكتور مهدي المبروك بعد المبادرات التي قام بها بعض الغيورين على الثقافة التونسية، لإيجاد أرضية للتفاهم بينه وبين نصر الدين السهيلي، فإني كنت أتمنى أن يسحب مهدي المبروك القضية العدلية بعد تقديم نصر الدين السهيلي اعتذارا فعليا وصريحا له، خاصة أنه أعرب عن استعداده للاعتذار لمهدي المبروك كشخص وكمواطن عادي، لا باعتباره وزيرا في حكومة الترويكا، غير أن الوزير أجّل نيّته هذه حتى يأخذ القضاء مجراه في هذه القضية، وهنا مربط الفرس، فالحق الشخصي يمكن أن نتنازل عنه وينتهي النزاع، (خاصة أن الرشق بالبيض لوحده يعتبر مجرد عنف خفيف أو في أقصى الحالات هضم جانب موظف بما يتحتم معه الإفراج الوجوبي عن "المتهم") غير أن الوزير يعي جيدا أن نصر الدين السهيلي وجيلا كاملا من المبدعين والمثقفين الشبان يرفضون عملية السطو الممنهجة للثورة التونسية والمسار الانتقالي من طرف حكومة "الترويكا"... بل إني أجزم أن في داخله، المهدي المبروك المثقف والمناضل، يعي تمام الوعي حجم الانتهاكات الحاصلة من قبل هذه الحكومة، ويعي جيدا نواياها في "استخدام" كل الأساليب للإيهام بضرورة وجودها "غصبا عنّا"... (وهنا نفهم إيقاف المصور مراد الحرزي الذي سيجعل الجريمة أشدّ، بافتراض وجود وفاق وعمل مخطط له)... أعتقد صديقي المهدي مبروك انك تعي تمام الوعي أن جل المؤشرات تدل على انتهاء مهام هذه الحكومة، وأعتقد جازما أن مكانك ضمنها لم تجن منه بقدر ما فقدت الكثير بسبب كرسي الوزارة تماما مثل الدكتور خليل الزاوية وزير الشؤون الاجتماعية والدكتور سالم الأبيض وزير التربية، وبالمقابل أعتقد جازما أن الحكم بالسجن (وهو ما لا نتمناه) على الممثل والمخرج نصر الدين السهيلي سيكون خير هدية لمبدع متمرّد في زمن الاستبداد الجديد... فبالأخير يظل "الحبس كذاب والحي يروح"... أعتقد صديقي مهدي المبروك، أن تنازلك عن القضية سيعيد لك معدنك الثقافي والمعرفي وسيمكّنك من دقّ عنق خشب الكرسي الوزاري... الزائل بطبعه...

2013/08/15

رغم أن الدم العربي واحد: هل دمهم دم ودمنا ماء؟

ناجي الخشناوي الدم العربي... دم واحد... لا لون له إلا الأحمر... لا دم شرعي ولا دم انقلابي... لا دم مصري ولا تونسي ولا سوري ولا ليبي... الدم العربي دم واحد... ولا يختلف اثنان على أن إراقة قطرة دم واحدة هي بمثابة الخيانة العظمى للإنسانية... غير أن دماء "الربيع العربي" باتت دماء بألوان متعددة... دماء نعتبرها كالماء لا تهزنا ان أُريقت غدرا... ودماء نعتبرها "مقدسة" حتى وان تمترست بكل أدوات القتل المتعمد... دماء "كافرة" و"علمانية" يتوجب التخلص منها... ودماء "مسلمة" و"شرعية" هي الخطوط الحمراء... المحرمة... دماء "الطواغيت"... دماء "العلمانيين"... دماء "الانقلابيين"... ليست دماء عربية... وكل "الفتاوي" "تُحلّلُ" إراقتها في سبيل "الشهادة"... لذلك كانت دماء الشهيد شكري بالعيد أمام بيته... "حلالا" وواجبا شرعيا... لذلك كانت دماء الحاج محمد البراهمي... "نصرا مبينا"... لذلك كانت دماء جنودنا في جبل الشعانبي... "فتحا من عند الله"... وطلبا للشهادة توجهت الجحافل عبر الحدود المفتوحة وجوازات السفر المعدة سلفا... توجهت إلى سفك الدم العربي "الكافر" في سوريا وليبيا... بعد أن لعلع "رصاص الحق" في المنزه واريانة وتطاوين والوردية والشعانبي والكاف... دم تونسي لا يستحق "صلاة الغائب"... دم تونسي لا يستوجب وقفات احتجاجية... دم تونسي لا قيمة له... حتى بالبيانات... دم الجنود المصريين هو الأخر لا قيمة له (أكثر من 49 جندي قُتل).... ففي الوقت الذي عبرت فيه أغلب الأحزاب والمنظمات والجمعيات والهيئات عن إدانتها المطلقة لما حدث في مصر وشجبها لإراقة الدماء من الجانبين، والاعتداء على واحد من أهم الحقوق الأساسية ألا وهو حقّ التظاهر والتعبير والاحتجاج والاعتصام، منبهة إلى خطورة "الإرهاب السياسي" الذي يتهدد وحدة الدولة المصرية وتفكيك هيبتها بتشتيت جهود مؤسساتها العسكرية والأمنية... خاصة بعد تصعيد "الإخوان المسلمين" والزيغ بالاعتصامات عن مقتضيات التعبير المدني غير العنيف وتعفين الأجواء وتهيئة الظروف لحلول العنف محل الصراع السياسي الديمقراطي السلمي ... في هذا الوقت فاجأتنا حركة النهضة ببيانات ومواقف وتصريحات، لئن عبرت عن تضامنها وتآزرها مع حركة الإخوان في مصر، فإن في باطنها إشارات ودلالات على أن الدم لا يكون دما إلا متى كان من فصيلة "دم الإخوان"... كما لم تفوت قواعدها الفرصة للتهجم على الأطراف الأخرى واتهامهم بانعدام الإنسانية و"التشمت" في المجزرة المصرية... وانبرت الصفحات الالكترونية لحركة النهضة في شتم المعتصمين بباردو واعتبرتهم "يرقصون ويغنون ابتهاجا بما يحصل في مصر"؟؟؟ الخادمي: وزير تونسي مكلف بشؤون مصر... في خرق واضح للأعراف الديبلوماسية، لم ينتظر وزير الشؤون الدينية، لا وزير الشؤون الخارجية ولا مجلس الوزراء ولا رئيس الجمهورية المؤقت، ليصدر بيانا منفردا شديد اللهجة لم يكن موجها "للجيش المصري" بقدر ما كان موجها لمعتصمي الرحيل وللقوى الديمقراطية والمدنية في تونس... حيث دعا نور الدين الخادمي "التونسيين" إلى التصدى لما يصفهم بــ"الانقلابيين والفوضويين"... كما قدر السيد الوزير عدد "الشهداء" في ميداني رابعة العدوية والنهضة بالآلاف، تماما مثلما اعتبرت "قناة الزيتونة" أن عدد القتلى فاق 2200... في حين أن وزارة الصحة المصرية قدرت عدد القتلى في أحداث العنف ليوم الأربعاء 14 أوت 421 شخصا على الأقل بينهم 43 من قوات الأمن، إلى جانب 3572 مصابا إلى حدود صباح يوم الخميس... كما أن بيان وزير الشؤون الدينية اعتبر أن المعتصمين بميداني النهضة ورابعة العدوية هم مسالمين في الوقت الذي بثت فيه كل قنوات العالم مشاهد مباشرة عن استخدام عدد من المعتصمين لأسلحة مختلفة رغم أن القوات الأمنية المصرية حاولت تجنب الدخول مباشرة لعمق الاعتصامات للسماح للمتواجدين بالمغادرة، تاركة للمعتصمين ممرات مفتوحة لخروج المدنيين، وقامت بتأمين السيدات والأطفال الذين كانوا من ضمن المعتصمين في الصفوف الأمامية حيث تم اعتمادهم كدروع بشرية، كما وجهت الشرطة نداء للمعتصمين بإعمال صوت العقل وإعلاء مصلحة الوطن غير أن بعض المعتصمين عمدوا إلى إشعال إطارات السيارات لإعاقة تقدم الأمن، وكشفت وزارة الداخلية أنها رصدت تعليمات من قيادات في الإخوان بمهاجمة أقسام الشرطة، كما أكدت قيام "عناصر مسلحة من المعتصمين بميدان رابعة العدوية بالتحصن بمستشفى رابعة العدوية، وإطلاق النيران بكثافة من أسلحة متنوعة على القوات... ودعا وزير الشؤون الدينية الشعب التونسي إلى أخذ العبرة ممّا يحدث في مصر الشقيقة، والحفاظ على ما ننعم به من أمن واستقرار.؟؟؟ كما دعا الأئمّة في كامل جوامع الجمهورية إلى أداء صلاة الغائب ترحّما على أرواح "شهداء" مصر ... من الاخوان... أما الجنود فلا أثر لهم في بيان الوزير؟؟؟ تماما مثلما تجاهل البيان حرق أكثر من 17 كنيسة وعشرات المحلات المملوكة للأقباط... الحرق الذي طال المكتبة الضخمة للكاتب محمد حسنين هيكل في قريته بالجيزة... الغنوشي: الوحوش... الطواغيت... والعلمانية المغشوشة في نفس السياق، لم ينتظر زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي معرفة تفاصيل الأحداث المصرية، ليقدم "سبقا صحفيا" لأحدى القنوات، ففي تصريح، لم يخرج هو الآخر عن لغة التهديد الموجهة أساسا إلى معتصمي الرحيل وللقوى الديمقراطية والمدنية في تونس، اعتبر راشد الغنوشي أن "الإسلام السياسي قد صمد صمود المؤمنين وصمود المنتصرين في الميادين والشوارع"، وكعادته، لم يفوت زعيم حركة النهضة اعتماد نفس اللغة ليهاجم المؤسسة العسكرية والأمنية ومن يصفهم بأنصار "العلمانية المغشوشة" وقد شبه راشد الغنوشي العسكريين والأمنيين بــ"الوحوش" وهو تشبيه قد يحيلنا على تشبيه السلفيين الجهاديين للأمنيين والعسكريين التونسيين باعتبارهم "طواغيت"... كما أن عبد اللطيف المكي، وزير الصحة، حمل "المسؤولية الأدبية لم يحصل في مصر إلى المعارضة التونسية"؟؟؟ ولم يخرج بيان "منظمة شباب النهضة بالجامعة" عن ذات السياق حيث اعتبرت "المنظمة" السلطات المصرية "انقلابيين وخونة" ودعت إلى طرد السفير المصري من تونس... المرزوقي: من الهراء إلى الصباينية... فإعلام الفتنة "الطواغيت"، هو ذات الوصف الذي استخدمه النائب عن حركة النهضة الحبيب اللوز في الوقفة الاحتجاجية التي نظمه العشرات من أنصار حركة النهضة أمام مقر سفارة جمهورية مصر العربية بتونس العاصمة مساء الأربعاء، حيث قال اللوز "أن التاريخ برهن أن الأساليب الطاغوتية لا تنجح وبإذن الله زائلة"... وشبه اللوز دعاوى المعارضة التونسية للخروج من الأزمة، شبهها بـــ" الصبيانية"... وهو تشبيه سبقه إليه المنصف المرزوقي الرئيس المؤقت عندما اعتبر دعوات المنادين بحل الحكومة وتحديد أعمال المجلس الوطني التأسيسي "هراء في هراء"؟؟؟ وهو نفس "الموقف" الذي عبّر عنه مجددا ليلة الأربعاء في خطاب ارتجالي متشنج مثلت فيه الإحداث المصرية مشجبا فقط للإحالة على معتصمي باردو والإعلام التونسي الذي يبدو انه بات الهاجس الوحيد لرئيس الجمهورية المؤقت، باعتباره "إعلام فتنة"؟؟؟ ولئن دعا المرزوقي إلى "وقف الخطابات التحريضية" إلا أنه لم يحدد مصدرها كالعادة... بل إن هناك العديد من الملاحظين والمراقبين من يعتبر أن خطابات المرزوقي ذاته هي خطابات تحريضية بالأساس... حركة النهضة: لن نحل حكومة... لا وحدة وطنية... إن هذه المواقف والبيانات والتصريحات لا يمكن تفهمها إلا في سياق واحد وهو "التضامن الاخواني" بين حركة النهضة وحزب العدالة والتنمية من جهة، وهو فرصة جديد لمزيد تقسيم الدم العربي بين دماء "الشرعيين" ودماء "الانقلابيين"... بل هو الفرصة الحقيقية لركن الأزمة التونسية في الأدراج واستثمار الدم المصري لمزيد إحكام القبضة في تونس... ولعل الندوة الصحفية التي عقدها زعيم حركة النهضة صباح الخميس 15 أوت تؤكد أن الدم المصري كان فرصة لمزيد التصلب في المواقف، فبعد الحديث عن تنازلات و "تضحيات" الحركة، وبعد القبول بحل الحكومة الحالية والتفاوض حول إبقاء علي العريض رئيسا لها... تراجع راشد الغنوشي وحركة النهضة وأعلن " الدعوة لتشكيل حكومــة جديدة أمر غير منطقي"، وقال الغنوشي "نحن لا نرى أن المدخل للحوار يتطلب حلّ الحكومــة... وأن الوضع بالبلاد لا يتحمل الفراغ"... وكانت الندوة الصحفية فرصة أيضا لزعيم حركة النهضة النواب المنتمين إلى حزب التكتل من أجل العمل والحريات الداعين إلى رحيل الحكومــة الحاليــة لا يمثلون التكتل"... ولم يغب قانون "تحصين الثورة" عن كلمة الغنوشي إذ عاد مفعوله، بقدرة قادرة، إلى السريان بعد أن أعلن سابقا تراجع الحركة عنه... ولم يتردد حزب المؤتمر من اجل الجمهورية في الدعوة إلى التفعيل الكلي لقانون الطوارئ... وهو ما لم يفعله إبان الأحداث الإرهابية في جبل الشعانبي...

متى صدّر الغنوشي الثورة... حتى نستورد "الانقلاب"؟

لا يمر تصريح إعلامي أو خطاب حزبي لزعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، إلا وضمنه "موقفا" مضادا فعلا للمسار الثوري الذي تعيشه تونس بدرجة أولى ومصر بدرجة ثانية... ولعل الجملة التي يرددها الآن زعيم حركة النهضة خير دليل على مدى "استهتاره" بأحلام من سالت دماؤهم من 17 ديسمبر إلى ما بعد 14 جانفي... وخاصة إبان حكم الترويكا... تلك الجملة التي يقول فيها حرفيا "نحن (أي هو وحركة النهضة) صدّرنا الثورة، وهم (أي الذين اسقطوا نظام بن علي) يريدون استيراد الانقلاب" في إشارة إلى أن الملايين الذين انتفضوا ضد استبداد وفشل وكذب السجين الهارب مرسي العياط وجماعة الإخوان... هم "الانقلابيون" بإيعاز من مؤسستي الجيش والأمن المصريتين... وفي إشارة إلى أن مئات الآلاف من التونسيات والتونسيين المعتصمين بساحة باردو وبمختلف ولايات ومعتمديات الجمهورية التونسية هم أيضا "انقلابيون"... فهل صدّر فعلا راشد الغنوشي الثورة التونسية بمعية وزراء حركة النهضة ونوابها ونائباتها وقيادييها القادمين على متن الطائرات والبواخر من العواصم الأوروبية والعربية؟ وهل فعلا ستستورد الأحزاب الديمقراطية والمنظمات والجمعيات المدنية والنقابيون والحقوقيون والمحامون والطلبة والشباب والنساء والمعطلون عن العمل... هل سيستوردون فعلا ما يعتبره الغنوشي وحركة النهضة "انقلابا"؟ إن تصديق مثل هذا "الموقف"/"الوهم" يتطلب آلية وحيدة وهي أن نكذّب التاريخ ونمحيه تماما، وندلق معه الماء على دماء الشهداء الذين سقطوا في انتفاضة الحوض المنجمي وفي سيدي بوزيد والقصرين وقفصة وتونس العاصمة... وعلينا أن نصدق أن "محمد البوعزيزي" مات منتحرا وأن الشعار المركزي للثورة التونسية لم يكن "شغل حرية كرامة وطنية"... بل كان تطبيق شريعة الله في الشعب التونسي الكافر... إن "موقفا" كهذا يؤكد فعلا أن رائحة الغاز المسيل للدموع وصوت الرصاص والاعتقالات التي طالت النقابيين والمحامين والشباب في الشوارع التونسية وملاحقة الصحافيين كانت تسجيلا رديئا لمخرج سينمائي مبتدئ... وعليه فإن من عجّل بهروب بن علي وزبانيته من تونس ليلة 14 جانفي هم أصحاب الشركات والمصانع القابعين خلف شاشات التلفزات في باريس والدوحة ولندن وبرلين وواشنطن... وأن محمد الغنوشي وفؤاد المبزع قد سقطا من جبة "القرضاوي"... وعلينا أن نصدق فعلا أن أم الشهيد التي خرجت وقالت "لئن قتلوا ابني فإن لي ثلاثة أبناء آخرين سأهبهم فداء لتونس وللحرية" علينا أن نصدق أنها هي اليوم من تنعم بأجرة خيالية تصلها بالعملة الصعبة... أو هي التي تستهلك اليوم ما يفوق مائتي لتر من البنزين لتتنقل من تونس إلى صفاقس... وعلينا أيضا أن نصدق أن المنصف المرزوقي كان "ينصب المشانق" لعائلتي بن علي والطرابلسي، وأن سهام بادي كانت تفتح باب بيتها كل مساء للمتظاهرين الهاربين من الغاز المسيل للدموع ومن الرصاص... وأن حسين الجزيري وسمية الغنوشي كانا يخرجان كل ليلة على الفضائيات ليطالبا برحيل بن علي وإسقاط نظامه... علينا أن نمحي تاريخ دموعنا ودمائنا ونصدق فقط أن من كان قابعا في دهاليز وزارة الداخلية ليلة 13 أكتوبر ليس حمة الهمامي ومحمد مزام بل نور الدين الخادمي والمنصف بن سالم... علينا أن نصدق أن فوزي بن قمرة و"بسيكو آم" كانا يشحنان الشباب التونسي بالأغاني الثورية... وأن ذاك "الكافر" بيرم الكيلاني (بنديرمان) كان يوقّع عقود الحفلات التجارية... علينا أن نكذب المراسلات الصحفية للفاهم بوكدوس ومقالات لينا بن مهني وأن نصدق أن لطفي زيتون وسنية بن تومية هما اللذان كانا يراسلان الإذاعات والمواقع الإخبارية ولا يكفان عن التدوينات الالكترونية ... وعلينا أن نصدق مقالات طارق الكحلاوي في جريدة الصباح المحرضة على إسقاط نظام بن علي... وان رفيق بوشلاكة كان يمد قناة "الجزيرة" بآخر المعطيات الميدانية حول تحركات الشعب التونسي... علينا أن نكذّب الدكتور سامي السويحلي... ونصدق أن عبد اللطيف المكي هو الذي كان يستقبل الجرحى ويهاتف الاطباء لمساعدة من تعرض للاعتداء... لنصدق كلامك... أيها "الشيخ" علينا تحديدا أن نكذّب أعيننا وأصواتنا... وعلينا تصديق أن نور الدين البحيري هو الذي قدم من باب بنات إلى بطحاء محمد علي فشارع الحبيب بورقيبة صبيحة يوم 14 جانفي بدلا عن الشهيد شكري بالعيد وبدلا عن المرحوم فوزي بن مراد والقاضية كلثوم كنو والمحاميان مختار الطريفي وعبد الستار بن موسى... لنصدق كلامك... أيها "الزعيم" علينا أن نكذّب محمد شعبان الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس ونكذّب كل النقابيات والنقابيين الذين اكتسحوا شوارع صفاقس ليلة 13 جويلية... وعجلوا بهروب بن علي... علينا أن نكذّب الصور التلفزية التي بثت صور الإضراب الجهوي بصفاقس وبالمقابل علينا أن نصدّق إمام جامع سيدي اللخمي باعتباره كان ثائرا ضد بن علي... أما من استورد فعلا "الانقلاب"... الانقلاب على إرادة الشعب التونسي فهو الذي وظف الأموال القطرية والأمريكية ليقوم بحملته الانتخابية... هو من "احتل" بيوت الله وحولها إلى معسكرات حزبية... هو الذي يمكث على صدورنا سنتين رغم التزاماته... من يستورد الانقلاب هو الذي "وعده" بتشغيل الشباب المعطل عن العمل ففاقم عطالتهم... المنقلب هو الذي صمت على من نعت العسكريين والأمنيين بالطواغيت والكفرة... من استورد "الانقلاب" هو الذي أوعز، ولا زال، للعصابات بأن تعتدي على الأحزاب والمنظمات والجمعيات والمفكرين باسم "حماية الثورة"... المنقلب الحقيقي هو لنصدّقك... لا نجد سبيلا إلى ذلك إلا إن نكذّبك... بكل بساطة... لنصدّقكم... لا نجد سبيلا إلى ذلك إلا أن نواصل اعتصام الرحيل... بكل إصرار... حتى تصدّقوا كذبة الشرعية...

2013/08/06

القتل الأزرق والفاشية الثالثة...

قواعد النهضة وأنصارها ينادون بتحصين الثورة و"قيادات" الترويكا تستقبل بارونات النظام السابق ما الفرق بين خطاب "جهادي" انتحاري داخل المغاور الجبلية وبين خطاب "إمام شرعي" فوق منبر بمسجد الوردية؟ إذا كان "الشيطان يسكن بين التفاصيل" فإن "القتل" يسكن هو الآخر ذات التفاصيل، تلك التي لا نعيرها اهتماما في الغالب الأعم. فهذا "القتل الأزرق" الذي تزكمنا رائحته من مغاور مرتفعات الشعانبي أو على الحدود التونسية/الليبية/الجزائرية أو من أدغال وغابات الشمال الغربي على الحدود الجزائرية... ولم تخل منه أحزمة الفقر المتاخمة لتونس العاصمة... يزفنا كل يوم أخبار الرصاص والألغام وأدوات نشر ثقافة الموت... وعودا إلى التفاصيل، فإن بعض الإشارات البسيطة، وبعض التفاصيل العابرة نلتقطها هنا وهناك، حذو خطواتنا، وأمام أعيننا لنقف على حقيقة باتت تترسخ اليوم في تونس مفادها أننا بصدد الانحدار نحو نظام ديكتاتوري في ظل حكم فاشي... ومن هذه الإشارات، تحرك بعض الزعماء والناشطين السياسيين، وحتى بعض المثقفين والمبدعين وهم يرتدون "الصدريات الواقية من الرصاص" أو المتعارف عليها باللغة الفرنسية (gilet pare-balles)، والى جانب استخدام هاته الصدريات الواقية فان البعض منهم وجد نفسه "مجبرا" على التحرك بين حارسين أو أكثر يلازمونهم أينما تحركوا... الأخ حسين العباسي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، حمة الهمامي، الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية، أحمد نجيب الشابي رئيس الحزب الجمهوري... الباجي قائد السبسي مؤسس حزب حركة نداء تونس... محاطون بحراس رئاسيين يسهرون على سلامتهم وأمنهم وكأنهم يتحركون فوق حقل ألغام مكتنز بالفخاخ، وليسوا في وطن حسبوا أن آخر طلقاته الغادرة أُطلقت يوم "الخميس الأسود"... ومعهم تنضاف قوائم طويلة لأسماء من المناضلات والمناضلين السياسيين ومن النقابيين والحقوقيين ومن الإعلاميين... منهم من وصلته رسائل التهديد مباشرة إلى بيته، ومنهم من تلقى التهديدات على الهواء مباشرة في التلفزات التونسية من "قيادي" الترويكا الحاكمة... فـــ"رؤوسهم مطلوبة" مثلما قال ذلك "أمام مسجد بجرجيس" باعتبارهم "علمانيين وكفارا وملحدين"... "الطاغوت" المتوجب قتله واغتياله وتصفيته من "أرض الإسلام" سيتعدى الملايين من التونسيات والتونسيين، ولئن كانت القائمات مدججة بالسياسيين والإعلاميين والحقوقيين فما هي إلا "فاتحة شرعية" كتلك التي كانت في أرض مالك حداد وجميلة بوحيرد... ولكن هل الملايين قادرون على اقتناء "صدريات واقية من الرصاص"؟ وهل الملايين لهم من المال ما يكفي "لتأجير" حراس شخصيين؟... إن التدرج في "تعبئة" الصدور والسطو المستمر على المساحات والفضاءات العمومية من جهة، ومن جهة ثانية التقوقع الإيديولوجي البسيط والساذج في بعض الأحيان لدى "الأحزاب المدنية" جعلت من فزاعة الإرهاب السلفي الشجرة التي تحجب عن الشعب الذي أسقط نظاما ديكتاتوريا يرتد عن المطالب الأساسية التي ثار من اجلها، وتتحول وجهته بطريقة ميكانيكية نحو الجبال والمغاور وأحزمة الفقر، وصار الأمن خبزه اليومي... إن مناضلا مثل حمة الهمامي، الناطق باسم الجبهة الشعبية، لم يرتد طوال مسيرته النضالية ضد بورقيبة وضد بن علي، صدرية واقية من الرصاص، ولم يتحرك وسط حراس شخصيين، وهو الذي عاش لأكثر من عشرة سنين في "السرية"، ومع ذلك هاهو يجد نفسه اليوم بعد الثورة التي حلم بها وكان لشباب حزبه دورا في تأجيجها، ها هو يجد نفسه اليوم في فترة الانتقال الديمقراطي محوطا بحارسين شخصيين من رئاسة الجمهورية ويرتدي صدرية واقية من الرصاص... قد تكون فاجعة اغتيال المعارض السياسي شكري بالعيد، أمام بيته بطريقة هوليودية تذكرنا بما حصل في الجزائر وفي لبنان أيضا، قد تكون النقطة الفاصلة بين مرحلتين، مرحلة مهتزة أمنيا ولكن دون بصمات إرهابية واضحة وحاسمة، ومرحلة ثانية دخلت فيها البلاد في منعرج الاغتيالات ورسائل التهديد المباشرة وغير المباشرة للمعارضين السياسيين بدرجة أولى وللإعلاميين بدرجة ثانية... ومن ورائهما الشعب التونسي عموما... غير أن هذه المرحلة لم تعد مرحلة افتراضية، بل صارت واقعا ملموسا بعد اغتيال الشهيد الوطني محمد البراهمي أمام منزله وأمام بناته وأبنائه وزوجته في واضحة النهار... ليتأكد هذا الواقع الأسود بعد "ذبح" خمسة جنود من الجيش من جملة ثمانية مقتولين غدرا فوق قمم الشعانبي. إن اغتيال رمزين من رموز المعارضة للفريق الحكومي المؤقت الذي تتزعمه حركة النهضة اليوم في تونس، واستهداف غيرهما بشكل مباشر وحاد نسف ابسط قواعد اللعبة الديمقراطية، وجعل الطريق نحوها مفخخا بالألغام والمطبات التي ستُعجل بانتكاسة مرحلة الانتقال الديمقراطي الموعودة، وتُمهد الطريق مرة ثالثة، بعد النظامين السابقين، إلى تكرار التجربة الفاشية من جديد، غير أن الفاشية الثالثة، تختلف في عمقها عن سابقتيها، فلئن أبّد الحبيب بورقية حكمة طيلة ثلاثين سنة بسبب نرجسيته المفرطة، ولئن ظل نظام "السابع من نوفمبر" جاثما على الصدور طيلة 23 سنة كاملة تحت مسمّى الإصلاح الديمقراطي التدريجي، فإن طبيعة النظام القادم تبحث لها الآن على قدم وسط شرعية الكفر والإيمان لتتدحرج أيقونة الديمقراطية تحت شريعة القرون الغابرة... وخير دليل على ذلك السذاجة المفرطة التي أبداه راشد الغنوشي ليلة شبّه تظاهرة القصبة بفتح مكة؟ وقبلها ما أقدم عليه "وزير الشؤون الدينية" في بيان وزاري عندما غالط الرأي العام وقال إن معتصمي الرحيل يرفعون شعار "تونس حرة والإسلام على بره"؟ إن الفاشية الثالثة القائمة على عبادة الزعيم الأوحد وتمجيد العنف والإرهاب والتشبث بنظرية المؤامرة... تحط رحالها بأرض تونس من الباب الواسع، وتجد لها موطئ قدم في المرتفعات كما الإحياء... إذ لا فرق بين خطاب "جهادي" انتحاري داخل المغاور الجبلية وبين خطاب "إمام شرعي" فوق منبر بمسجد الوردية... غير أن الفاشية الجديدة لا تدخل علينا من باب الرصاص والمتفجرات والألغام فقط... بل هي تعود إلى الشعب التونسي من بوابة قصر قرطاج ومن مقر مونبليزير فبعد استقبال ما يسمى "روابط حماية الثورة" وبعد أن ألقى السلفي البشير بن حسين "محاضرة" في قصر قرطاج... وبعد أن بحت حناجر قواعد حركة النهضة مطالبة بوجوب تمرير "قانون تحصين الثورة"... ها إن بارونات النظام القديم وعلى رأسهم حامد القروي الوزير الأول لبن علي طيلة عشرية كاملة... يتوافدون على "قادة" الترويكا بحثا عن "توافقات" جديدة لم تخرج عن منطق "المحاصصة" ومنطق "التهديد" المغلف بعبارات "المصلحة الوطنية" بعد أن خفت صوت المنادين بالتحصين السياسي للثورة ... وبعد أن أصبحت وزارة الداخلية ووزارة الدفاع الوطني في مهب التخريب الداخلي والسطو على طبيعة دورهما الأمني بالأساس... كما أن الفاشية الثالثة شرعت في تنفيذ مقوماتها الأساسية وهي إلجام كل إعلامي حر ودفعه إلى الصمت المطلق حتى على تحليل الأحداث وخير دليل على ذلك لجوء اغلب القنوات التلفزية والإذاعية إلى البرامج الترفيهية والكف عن البرامج الحوارية والتحليلية في الوقت الذي تعيش فيه تونس على فوهة بركان ثائر... أمنيا... وشعبيا...

2013/08/03

لهذه الأسباب أساند الشرعية

بعد اغتيال شهيد الوطن والأمة العربية الحاج محمد البراهمي، وهي "حادثة سير عابرة" مثلما وصفها وزير أملاك الدولة، تماما مثل "الحادثة العابرة" لاغتيال الشهيد الرمز شكري بالعيد، والشهيد لطفي نقض الذي كان "يقاتل" حماة الثورة... بعدها تماما انبرت القنوات التلفزية وإعلاميي العار يدغدغون مشاعر عائلات الشهداء ويبتزون آلامهم، وبعد اغتيال ثمانية جنود وذبح خمسة منهم لم أجد عزاء إلا في رئيس حكومة كل التونسيين وهو يتحدث باسم كل التونسيين، ولم أجد عزاء إلا في وزارة الشؤون الدينية عندما نبهتنا بفطنة متناهية إلى أن "الانقلابيين" يرفعون شعار "تونس حرة والإسلام على بره"، ولم أجد العزاء إلا في وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية ابن الأحياء المفقرة يذكرني بهم... وفي وزير الثقافة الذي منحني فرصة مجددة للرقص في المسارح... وبالمثل كان رئيس جمهوريتي وآلاف مؤلفة من أبناء شعبي الذين باتوا في بحبوحة من العيش الرغيد وهم يسيرون صباحا في أمان نحو مكاتبهم الوثيرة ومصانعهم التي وفرت لهم كل ظروف العمل اللائق... لم أجد عزاء إلا في حكومتي الشرعية خاصة أن "قناة الزيتونة" وفرت عليّ مشقّة الانتقال إلى ساحة باردو بعد أن أمّنت لي نقلا مباشرا من هناك وصورا حية لوزراء حكومتي الشرعية وهم يلقّنون جماعة "الصفر فاصل" والنساء السافرات والنخبة المنكوبة... دروسا في الوطنية ويذكّرونهم بإحصائيات النمو والتنمية التي يشوهها الخبراء والأكاديميون... والذين قال لهم وزير حكومتنا الشرعية، محمد بن سالم، "مضمضوا"... و"موتوا بغيضكم"... وسنظل حكومة قائمة "رغم أنوفكم"... خاصة أن السبعين ألف وأكثر المتواجدون كل ليلة بساحة باردو هم بالأخير يأتون "ليتفسحوا بجانب خصة باردو"... مثلما قال حمزة حمزة أحد قياديي حركة النهضة الشرعية... ولا فرق بينهم وبين "الملثمين" في سيدي بوزيد والكاف والقصرين والمهدية وسليانة وسوسة وصفاقس وجندوبة... والذين يريدون تقويض "جمهورية النهضة" وتأسيس "جمهورية تونس"... واقتداء بحكومتي الشرعية وبمآثرها التي يحسدوننا عليها فإنني من موقعي البسيط سأذكّرها بما قام به "العلمانيون" و"الأزلام" و"Les Anarchistes" الذين يتفسحون كل ليلة في "خصة" باردو: هم الذين أشرفوا على مؤتمر أنصار الشريعة في القيروان... هم الذين أطلقوا سراح الناطق الرسمي باسم "أنصار الشريعة"... هم الذين هددوا الشعب التونسي إن هو تطاول على "قطر"... هم الذين قالوا "سننصب المشانق"... هم الذين هرّبوا "أبو عياض" من جامع الفتح... هم الذين قالوا إن الجنود وجدوا ليموتوا وعائلاتهم تأخذ الأموال وتصمت... هم الذين رفعوا راية سوداء فوق ساعة ساحة 14 جانفي بتونس العاصمة... هم الذين اعتبروا إرهابيي سليمان سيناريو معد من قبل بن علي... هم الذين استعملوا العصي والسيوف والسكاكين في جامع بلال بسوسة... هم الذين أحرقوا بيوت الله وزوايا الأولياء الصالحين ومزقوا المصاحف... هم الذين اعتدوا على الصحفيين وهددوهم بالقتل والذبح... هم الذين أطلقوا سراح عبد الوهاب عبد الله... هم الذين عينوا "بوليس" مديرا لدار الصباح... هم الذين منعوا الصحافيين من حق النفاذ إلى المعلومة... هم الذين أطلقوا الرش في سليانة... هم الذين تركوا صاحب مؤسسة يسر للتنمية يتحيل على المواطنين ويسلب أموالهم... هم الذين جعلوا حجيجنا الميامين يدفعون "تأمينا" على حجهم إلى بيت الله... هم الذين جعلوا الطاعون يعود إلى تونس بعد نصف قرن... هم الذين اعتدوا على المواطنات والمواطنين يوم 9 أفريل 2012... هم الذين رفضوا حل ما يسمى "رابطات حماية الثورة"... هم الذين حولوا الهبات والمساعدات المالية الدولية من خزينة الدولة إلى حساباتهم الخاصة... هم الذين جعلوا "الزواج العرفي" قاعدة داخل الجامعة التونسية... هم الذين استدرجوا طالبات العلم ليهجرن مقاعد الدرس ويتوجهن لــ "جهاد النكاح"... هم الذين عقدوا صفقة البغدادي المحمودي مع "النظام" الليبي... هم الذين اعتدوا على النقابيين يوم 4 ديسمبر... هم الذين ألقوا الأوساخ والفضلات أمام مقر الاتحاد العام التونسي للشغل... هم الذين مزقوا العلم التونسي وأنزلوه من فوق كلية الآداب بمنوبة... هم الذين اعتدوا على عميد كلية الآداب بمنوبة... هم الذين جعلوا الدينار التونسي ينهار بنسبة عشرة بالمائة... هم الذين اعتدوا على يوسف الصديق وعبد الفتاح مورو في القيروان... هم الذين اغتالوا شكري بالعيد ومحمد البراهمي وسحلوا لطفي نقض... هم الذين أحرقوا السيارات وروعوا المواطنين في جنازة الشهيد شكري بالعيد... هم الذين قالوا "مرحبا بالحرب الأهلية إن فكر الشعب في إسقاط النهضة"... هم الذين اعتبروا المرأة التونسية "مكمّلة" للرجل... هم الذين حملوا السلالم والعصي والهراوات واتجهوا من لافيات إلى سفارة أمريكا... هم الذين يقتحمون سجن المرناقية ويبثون السموم المتطرفة للمساجين... هم الذين أطلقوا سراح المعتدين على سفارة أمريكا... هم الذين أطلقوا سراح المجرمين باسم العفو التشريعي العام دون ضوابط... هم الذين عقدوا صفقات مشبوهة لجلب "التكتك" إلى الطرقات التونسية... هم الذين عقدوا صفقات مشبوهة لجلب الخرفان من رومانيا... هم الذين عقدوا الصفقات المشبوهة لجلب الحليب من سلوفانيا... هم الذين عقد صفقة بثلاثين ألف وحدة سكنية جاهزة من تركيا... هم الذين روجوا حليب الإبل الفاسد... هم الذين يفوّتون في المؤسسات الوطنية الرابحة... هم الذين قرروا تجميد القروض الاستهلاكية... ورفّعوا في معلوم الجولان على السيارات... هم الذين طالبوا بارتداء الحجاب في المؤسسة العسكرية... باسم المنشور 108... هم الذين جمدوا 150 اتفاقية تهم كل القطاعات... هم الذين قالوا إن السياحة بغاء سرّي... هم الذين جعلوا كيلغ اللحم بخمسة وعشرين دينار ... هم الذين رفعوا في سعر البنزين... هم الذين يخبؤون السلاح في أريانة وحي الغزالة وحي التضامن... هم الذين أطلقوا النار على الأمن الحدودي في بنقردان... هم الذين استقبلوا العريفي ووجدي غنيم وغيرهم...في القاعات الشرفية بالمطار... هم الذين نعتوا الجنود والأمنيين بالطواغيت... هم الذين هددوا بنبش قبر الشهيد شكري بالعيد بعد دفنه... هم الذين احرقوا السيارات يوم جنازة الشهيد شكري بالعيد... هم الذين رفعوا الكفن مباشرة على الهواء في القنوات التلفزية... هم الذين يدفعون بالعملة الأجنبية عشرات الملايين لنواب الجنسيات المزدوجة... هم الذين نظموا مؤتمر أصدقاء سوريا في تونس... هم الذين دفعوا بأكثر من 2000 شاب تونس إلى "الجهاد" في سوريا... هم الذين دفعوا بأكثر من 40 ألف شاب تونسي إلى "الحرقة" والموت في أعماق البحار... هم الذين أطردوا السفير الفرنسي من بنزرت... هم الذين عينوا الولاة والمعتمدين والنيابات الخصوصية... والمديرين والمديرين العامين... هم الذين اعتبروا مطالب الشباب التونسي "أحلام يقظة" و"أوهام"... و"أعمالا صبيانية"... هم الذين قالوا للشعب التونسي : "اشرب من ماء البحر"... هم الذين قالوا للشباب المتمرد :"إنشاء الله يتمرمدوا"... هم الذين شبهوا نشأة حركة النهضة من جامع سيدي يوسف ببزوغ الإسلام من غار حراء... هم الذين تم ايقافهم في مطار أورلي وهم قادمين من السعودية بحقائب مليئة بالأموال... هم الذين قسموا شاطئ الحمامات... هم الذين اعتدوا على الفنانين في الكاف... هم الذين قطعوا العروض الفنية وهشموا الآلات الموسيقية لفرقة أجراس ولأولاد المناجم... هم الذين حولوا المساجد أوكار لتخزين الأسلحة... هم الذين أغلقوا بعض الصحف والمجلات والمحطات الإذاعية... هم الذين حرموا الصحف من الإشهار العمومي... هم الذين دخلوا بالحقائب المغلقة عبر مطار تونس قرطاج الدولي... هم الذين أرادوا تثبيت الكاميراوات في شارع الحبيب بورقيبة... هم الذين يقطعون الماء والكهرباء على المواطنين والمرافق العمومية.... هم الذين أفشلوا مؤتم الحوار الوطني... هم الذين هشموا قاعة "الافريكار" وفتحوا رأس النوري بوزيد... هم الذين ذبحوا الجنود الشهداء وفجروا بقايا سيارة... هم الذين طالبوا بتقطيع أوصال المعارضين... الصحافيون هم الذين عينوا "الإرهابيين" في الوظيفة العمومية... هم الذين أطلقوا النار في بئر علي بن خليفة والروحية والكاف على الجيش... هم الذين يحققون مع الصحافيين قبل المتهمين... هم الذين علموا الأطفال رفع شعارا "أوباما أوباما كلنا أسامة"... هم الذين نظّموا عروض "الزمقتال"... هم الذين يتصرفون في 213 جمعية خيرية هم الذين طالبوا بتقارير أمنية من إدارة السجون... هم الذين جلبوا فيروس "كورونا"... هم الذين جعلوا بورصة الأوراق المالية تفتح حصتها بالأحمر...

2013/07/18

"تسونامي" الجعايبي/بكار: مسرحية "مؤقتة" تفتح ورشة أمل قاتمة...

ناجي الخشناوي ألوان عابرة لم تتجاوز دقائق معدودة افتتحت بها المسرحية، ليعم السواد أرجاء الركح ويطوّق زمان النص ومكان الأحداث... هكذا قرأت جليلة بكار والفاضل الجعايبي الزمن الحقيقي لما سُمّي "ربيعا عربيا"... لأنه "لم يكن كافياً ما تفتَّح من شَجَر اللوز"... ألوان "مؤقتة" فموجة سوداء علت وغمت الزمان والجغرافيا... وهكذا رسم الثنائي رفقة "الأيقونة" فاطمة بن سعيدان ورمزي عزيز وقيس رستم وربيع إبراهيم وبسام العلوي ونور الهدى بالحاج وتوماضر الزرلي وأسامة الجمعي ومحمد علي القلعي وعلي بن سعيد واميمة البحري ولبنى قنوني... رسموا جميعا زمنا افتراضيا لطوفان قادم بأمواج سوداء لن تستثني نقطة خضراء واحدة من المشهد... فنار الفتنة لا تنتظر الورد ليُكمل ألوانه ويتبرج في عطره، تماما مثل "شهوة التدمير"، تلك التي تتملكنا ولا نملك سلطانا عليها، لا تترك لنا الوقت للاحتفاء بإرادة البقاء... إرادة الحياة... ولو كانت حياة عابرة فوق خشب المسرح... ولو تسلحنا بشعار "لا خوف بعد اليوم"... لأن "حلمنا بزمن لا خوف بعد اليوم تراجع وانحصر وبتنا نعيش زمن الرعب... السّخَط... السّخَط... السّخَط...". بعد "غسالة النوادر" و"العرس" و"عرب" و"التحقيق" و"العوادة" و"فاميليا" و"عشاق المقهى المهجور" و"سهرة خاصة"... وصولاً إلى "جنون" و"خمسون" و"يحي يعيش"... يضيف مسرح "فاميليا" عملا جديدا "يُعزز" المناخ العام لأعمال الثنائي الجعايبي وبكار، وفي الوقت نفسه يتفرد بخصوصيته التي فرضتها وقائع "الآن وهنا"... فمسرحية "تسونامي" العمل المسرحي الجديد لشركة فاميليا والمسرح الوطني الفرنسي (والتي عُرضت ليلة الثلاثاء 16 جويلية في إطار الدورة 49 لمهرجان قرطاج الدولي) لا تشخّص واقعا معاشا فقط، بل هي تطرح رؤية استشرافية لزمن آت قريبا في رؤيا أصحاب هذا العمل. ولئن سبق للثنائي الجعايبي وبكار أن استشرفا نهاية النظام السابق وهروب رموزه ضمن مسرحية "يحي يعيش ـ أمنيزيا"، التي جاءت محاكمة فنية/سياسية سابقة لأوانها، بعد أن وقفا في مسرحية "خمسون" على حمى اليسار واليمين وأرشيف دولة ما بعد الاستقلال، هاهما في مسرحية "تسونامي" يستبقان الزمن التونسي ليصلوا إلى زمن قروسطي/ قادم... قد يكون يوم 15 أفريل 2015... سينوغرافيا المسرحية الجديدة "قلصت" من المؤثرات الدراماتورجية المبنية على لعبتي الضوء والعتمة دون أن تتنازل عنهما تماما، بل حولت وجهتهما نحو الملابس من جهة والخطاب من جهة ثانية، حيث استأثرت ملابس الممثلات والممثلين باللون الداكن من جلابيب وبراقع وأقنعة ومعاطف سوداء ولم يخرج خطابهم عن القتل والتهديد والوعيد والأمر والنهي باسم الله... (وكأن الله أمرهم بتفجير المسرح البلدي؟)، في حين انهمر الضوء من خطاب "حياة" (جليلة بكار) صاحبة المعطف الطويل، لأنها مثلت "الحياة" باسم الحب والعدالة والحرية... والأمل... خطاب بدا في ظاهره بسيطا حد "السذاجة" في جمله وتراكيبه (وهو اختيار مدروس) وفي ذات الوقت كان خطابا متشبثا بمرجعياته التنويرية من أبي القاسم الشابي إلى منور صمادح مرورا بألبير كامو ومحمود درويش... خطاب يبلغ مداه في تقنيتي التناص والتناظر الموظف في النشيد الوطني التونسي وأيضا من خلال تقنية التكرار... خاصة لكلمة (السّخَط...) والخطاب أيضا قد يبدو بسيطا للوهلة الأولى، إلا أن تقسيمه بين الأصوات يمنحه عمقا وتوهجا داخليا نكتشفه عندما نرى الصوت الأنثوي (خاصة حياة ودرة إلى جانب صوت أمين) يستأثر بلغة الاعتداد والتحرر والأمل ويكتسح الركح رغم الانكسارات والأوجاع، وبالمقابل نسمع الأصوات الذكورية لا تجيد النطق خارج الخطاب المتكلس الذي تستخدمه مطية نحو سفك الدماء والتدمير... وحتى النص القرآني كان "استغلاله" بشكل دقيق وتم توزيع ما تم اختياره من المتن القرآني بشكل يعبر عن طبيعة الصراع التراجيدي بين رهيني التكفير ودعاة التفكير... الديكور المعتمد لم يتجاوز كرسيين لم يكونا محل نزاع وصراع كما كانا في مسرحية جنون، بل لم تكن لهما أية أهمية أمام سطوة الخطاب الملفوظ وهي إحالة ذكية إلى أن طبيعة الصراع القائم اليوم هو صراع وجود وإثبات ذات، أما الكرسي فيبقى وسيلة وليس غاية في حد ذاته، غير أن الشاشة العملاقة المثبتة آخر الركح والتي تبث صورا "تقنية" لرسوم تحيل على ما يشبه الأعاصير أو الطوفان أو التسونامي لم تؤدّ دورا وظيفيا تاما بل بدت مسقطة وفي بعض الأحيان كسرت رمزية السواد الذي غرق فيه الركح... المسرحية، إلى جانب استدعاء الواقع في محاولة من الركح لمسائلته (اغتيال الشهيد شكري بالعيد وصرخة المناضل المحامي الناصر العويني ليلة 14 جانفي...) وظفت جملة من المعطيات الراهنة كتلك المتعلقة بما يسمى "الجهاد" في سوريا ولم تسهو عن "نقد" انخراط عدد من "الصحفيين" والمنابر الإعلامية في امتهان تجارة المعلومة والخبر تماما كتجارة الدين... وكانت حركة المكنسة في يد "حياة" خير وسيلة في وجه إعلام وخطاب لم يتحرر من سلطة رأس المال... رأس المال الذي لا دين له... الحركة صوتية بامتياز في تسونامي فاميليا، نصوص شعرية وسياسية ورسائل على جدران البلاد وفي ذاكرة شخوص المسرحية محفورة، خطاب بدا موحّدا في النشيد الوطني ثم عاش سكيزوفرينيا التشظي ليصير الصوت صوتان... تسونامي هزّ الجميع بمنطقين وخطابين مختلفين حدّ الدم، أحدهما نطق باسم الله ثم اغتال وفجّر وشرّد... وآخر صدح من حلق "حياة" باسم الحب والعدالة والحرية والمساواة... النشيد نشيدان وتلك هي المسألة في اختزال ركحي لجوهر الصراع تمنينا أن لا يعتريه الإسهاب والتداعي الذي شاب النص المسرحي في لحظات ومشاهد كثيرة. الركح الذي استوعب حراك البلاد منذ سنتين وجال به في تاريخها القديم والحديث في محاولة للفهم، عاج وماج اهتزازات منذ المشهد الثاني بالسقوط المدوّي والمتكرّر للمثلين على مدى العرض، سقوط صدم الجمهور في أحيان كثيرة ولكن تبين أن الجعايبي قد جعل منه إيقاع العمل ككل في محاولة لاستدعاء واقع السقوط والتعثر الذي تعيشه تونس والمنطقة وفي محاولة لاستنهاض ذاكرة البلاد وشعبها نحو المد العالي... "تسونامي" الفاضل الجعايبي وجليلة بكار قد تكون رهينة زمنها إلى حد كبير، أو إن شئنا لعلّها "مسرحية مؤقتة" يرمي من ورائها أصحابها إلى تسجيل موقف للتاريخ في راهنه استعارا له من أدونيس عنوانه العام "الثابت والمتحول"، مسرحية قد تُنسف "تنبؤاتها الثابتة" (15 أفريل 2015) بفعل الحراك الشعبي والمد الثوري، أو بجناحي طائر "الحبارى" الذي حلّقت معه الشخوص (الجدة والحفيدة، في إشارة لتواصل الأجيال) في نهاية المسرحية في استحضار لكل ما من شأنه أن ينقذ تونس من مستنقع السواد، وبفعل ورشة الأمل المشحونة بكلمة "لا" أجابها الصوت الأنثوي على مدارج قرطاج بالزغاريد ليؤكد مرة أخرى أن نساء تونس هن طائر الحبارى المنقذة لهذا البلد... وهن الشوكة الحادة في حلق المتطاولين على تاريخ تونس من سلفيين وإسلامويين... ودعاة موت... فالصراع الأصلي في المسرحية لا يمكن اختزاله في صراع الحداثيين ضد الإسلاميين بل هو صراع حياة... صراع الفن... هو صراع من أجل تحسين شروط الوجود بعيدا عن ثقافة القبور... صراع يدربنا "لنذهب معا في طريقين مختلفتين..." مثلما قال محمود درويش.

2013/07/11

"التونسية"، "الحوار التونسي" وجمرة الإعلام الحر

رغم كل العراقيل والصعوبات التي مرت بها قناة "التونسية" أثبت الفريق العامل بها عن جدارة أن "الفشل" ليس تونسيا وأن الطموح الجامح يظل البوصلة الحقيقية لإفتكاك موقع متقدم في مجال متحرك اسمه "الإعلام"... فقناة "التونسية"، وبغض النظر عن الغموض الذي يكتنف مالكيها، وهو غموض ضاعفته ممارسات الحكومة المؤقتة المترددة بين الحسم مع "بقايا النظام السابق" من جهة، أو اقتناص ما يمكنها من تنازلات لصالح استمرارها في الحكم من جهة ثانية، قناة التونسية هي بالأخير مؤسسة إعلامية تشغل عشرات بل مئات التقنيين والصحفيين والإداريين وتؤمن لعائلاتهم مورد رزقهم، إلى جانب أنها قناة افتكت المراتب الأولى عن جدارة، وما جدارتها إلا من ارتفاع منسوب النقد المطلوب من الإعلام التونسي، وربما - أو هو كذلك - تعود كل محاولات "الهيمنة" ووضع اليد على هذه القناة بل ومحاولة تدميرها ونسفها، بدءا من قرار غلق استوديوهات شركة "كاكتوس" في أفريل 2011 مرورا بمداهمة أعوان الديوانة لمقر الشركة في منتصف رمضان الفارط، ومحاولات إثناء المستشهرين عن التعامل مع القناة، حتى بلغ الأمر بصاحب شركة "كاكتوس"، المنتج سامي الفهري، إلى تقديم نفسه للعدالة والتضحية بحياته الشخصية في سبيل إنجاح مشروعه الإعلامي... ومنذ نهاية شهر رمضان الفارط يقبع سامي الفهري وراء القضبان دون أن نفهم إلى الآن الوضع القانوني، ولا حتى الأخلاقي، لهذا "الإعلامي السجين" (في الوقت الذي تم فيه الإفراج عن عبد العزيز بن ضياء وعبد الله القلال ومحمد الغرياني)... أمام كل هذه العراقيل وغيرها، كالدعوات المتكررة، خاصة من طرف قيادات حركة النهضة لمقاطعة برامج القناة وتهجمهم على المنشطين، رغم كل ذلك صمدت التونسية واستبسل العاملون بها في الدفاع عن مؤسستهم وعن خطهم التحريري، بل إن الإصرار كان يتضاعف كلما زاد الضغط وكلما تكررت محاولات تقزيم القناة... وهاهم بنات وأبناء قناة التونسية يستفيقون مجددا على وقع "تجن" جديد يسعى إلى طعنهم وتنكيد فرحتهم بتضاعف حب المشاهدين لهم من خلال برمجتهم الرمضانية، بعد أن أقدم سليم الرياحي (صاحب نظرية "اللي ماعندوش ما يلزموش") على قطع البث نهائيا على قناة التونسية بحجة امتلاكه لترددات البث... وبغض النظر عن الجانب القانوني أو المالي، أعتقد أن السيد سليم الرياحي وكل الأطراف الساعية لعرقلة قناة التونسية، وغيرها من المنابر الإعلامية الحرة والمتحررة، اعتقد أنهم لم يستوعبوا بعدُ أن شراء حب الناس، سواء بالأموال أو عنوة وغصبا، هي وسيلة لا تدل إما عن غباء مفرط أو عن عقلية استبدادية... إن قناة التونسية لم تكن الوحيدة المستهدفة بشكل واضح وجلي، بل إن القطاع الإعلامي التونسي برمته من صحافة مكتوبة وقنوات تلفزية ومحطات إذاعية ومواقع الكترونية، كانت، ولا تزال، عرضة للانتهاكات اليومية من طرف الائتلاف الحاكم والبعض من أصحاب المال الباحثين عن مواقع جديدة، ولم ينجُ من براثن الاستبداد الجديد إلا "المنابر" التي استمرأت التهليل والتطبيل... "بفضل" تلكؤ الائتلاف الحاكم في تشكيل الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري وعدم جدية مختلف الأطراف في فتح ملف الإعلام بشكل جدي ومراجعة منظومة القوانين المنظمة للقطاع... وقبل هذا وذاك تعطيل كامل للعدالة الانتقالية واطارها التشريعي... قناة التونسية وجدت في محنتها الجديدة يد العون ووقفة شجاعة من الإعلامي الطاهر بن حسين صاحب قناة "الحوار التونسي"، حيث سخر ترددات قناته لبرامج قناة التونسية خدمة لحرية الإعلام، وهي حركة قد لا نجد لها إلا تعبيرا واحدا مختزلا في ذاك المثل الشعبي القائل "ما يحس بالجمرة كان اللي عافس عليها" ذلك أن قناة الحوار التونسي تعاني هي الأخرى من شتى صنوف التضييق والمحاصرة من قيادات الائتلاف الحاكم الذين لم يجدوا ملاذا أيام الجمر سوى استوديوهات الطاهر بن حسين... وأولهم المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية المؤقت...

من "تمرد" إلى "خنقتونا": جموح الشباب بين احتقار الترويكا وقبضة المعارضات؟

صارت "صكوك الغفران" و"مفاتيح الجنة" بديلا عن عقود الانتداب وإدماج الشباب المعطل عن العمل "التوافق والشراكة" التي تتحدث عنهما أحزاب الائتلاف الحاكم ليست إلا "واجهة هشة" لصراعات عميقة مخفية منابر إعلامية "موالية" تبعث رسائل "تحذير" و"تهديد" للشباب التونسي من مغبة تكرار السيناريو المصري أي مصير للشباب المتمرد بين السقف المرتفع لبعض الأحزاب السياسية من جهة، والسقف المنخفض لأحزاب وتشكيلات سياسية أخرى، وبين الاستخفاف المهين من طرف الائتلاف الحاكم؟ ناجي الخشناوي أكد علم الاجتماع السياسي أن ما حدث في تونس هو ثورة للشباب في "السنة الدولية للشباب" ولكن، وبعد أن كانت الوقود المحرك لإسقاط النظام السابق والتسريع بهروب رؤوسه يوم 14 جانفي 2010، وبعد أن "انتظمت" الفئات الشبابية في مجالس حماية الثورة لتأمين استمرارية الحياة والذود عن الممتلكات العامة والخاصة، وبعد أن كانوا قوة انتخابية هامة يوم 23 أكتوبر 2011، ظل الشباب التونسي ينتظر ثمار "المسار الثوري" بعد أن "انتصب" المجلس الوطني التأسيسي لكتابة الدستور الجديد، وبعد أن تم تشكيل أكثر من حكومة مؤقتة لتصريف أعمال الدولة... انتظر الشباب التونسي وصبر طيلة سنتين على تعثر الحكومة وتلكؤ المجلس الوطني التأسيسي وتشتت القوى الديمقراطية وانغماس منظمات المجتمع المدني ولامبالاة المستثمرين... وبعد أن استفحلت "أزمة الثقة" بين الشباب الثوري والائتلاف الحاكم المنقض على الحكم... بعد سنتين يجد الجزء الأكبر من الشباب التونسي نفسه في مواجهة مصيره من جديد بأشكال نضالية جديدة مستلهما في جانب منها ما "خطط" له الشباب المصري... من عقود الانتداب إلى "صكوك الغفران": الفئة الشبابية لم تخلو، على غرار الطبقة السياسية، من الانقسام والتشتت، فبعد أن كانت القوى الشبابية متحدة طيلة المخاض الثوري تحت شعار "ديقاج" لإسقاط الحكومة، أصيبت هذه القوة بفيروس التقسيم، فخرجت علينا فئة لا بأس بها من الشباب تعتبر أن ما حصل في تونس صحوة إسلامية لا بد أن يتم تتويجها بإرساء دولة الخلافة، وتابعنا "جحافل" الشباب التونسي يتجه نحو "الجهاد" في سوريا وفئة منهم مكثت في تونس لتجاهد "العلمانيين الكفار" بعد أن انحصرت مهمة السياسيين في البحث عن "الهوية التونسية" وتنادت الأصوات من تحت قبة المجلس تطلب اعتماد الشريعة بدلا عن دستور يضمن حق كل مواطنة ومواطن تونسي في الشغل والحياة الكريمة والحرية (شعارات الثورة الحقيقية) ولتصير "صكوك الغفران" و"مفاتيح الجنة" بديلا عن عقود الانتداب وإدماج الشباب المعطل عن العمل... لتظل الفئة الأوسع من الشباب التونسي تعاني البطالة والتهميش والتغييب عن المشاركة في اخذ القرار... وحتى بعث "صندوق التأمين على فقدان مواطن الشغل" أو ما يعرف بصندوق البطالة ظل مجرد وعد وهمي وورقة انتخابية، ووحده ظل الاتحاد العام التونسي للشغل الطرف الوحيد المتمسك بضرورة بعث هذا الصندوق. لغة الأرقام أبلغ... أظهر استطلاع ميداني للرأي أنجزه المرصد الوطني للشباب بالشراكة مع منتدى العلوم الاجتماعية التطبيقية شمل 2438 شابة وشاب تراوحت أعمارهم بين 18 و35 سنة وتم اختيارهم حسب متغيرات الوسط والجنس والفئة العمرية والمستوى التعليمي، أظهر أن 65.1 بالمائة من المستجوبين يعتبرون أن أهداف الثورة لا تتحقق في أي ميدان مقابل 1.2 فقط ممن يعتبرون أن أهداف الثورة تحققت... وهذا الاستطلاع الميداني يعصف حتما بكل الشطحات الإيديولوجية والخطابات السياسوية التي باتت منذ يوم 15 جانفي 2010 الخبز اليومي لمحترفي السياسة... وبلغة الأرقام أيضا كشفت عدة إحصائيات أن أكثر من 2000 من شباب تونس "يجاهدون" في سوريا وأن 40 ألف شاب "هاجروا سرا" بعد الثورة إلى وجهات مختلفة، كما أن 53 % من حالات الانتحار حرقا ضحاياها من الشباب... من تمرد المصرية إلى تمرد التونسية: أحداث كثيرة تتالت في السنتين الماضيتين من "الرش" في سليانة إلى اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد، وما بينهما لعلع رصاص الارهابيين على صدور العسكريين ولم يسلم منه حتى الخرفان... أحداث أججت الشعور بالقهر و"الحقرة" والاستهانة بالشعب التونسي وخاصة بالشباب الذي تعاظم شعوره بأن ثورته قد سُرقت منه وغدر بهم السياسيون... أحداث وطنية تشابهت إلى حد كبير مع المسار المتعثر في مصر ومحاولات الالتفاف على الثورة المصرية من طرف "الإخوان المسلمين" مما دفع بجموع الشباب المصري إلى التنظم في حركة مدنية سلمية أطلقوا عليها اسم "تمرد" وفاق عدد الموقعين على وثيقة التمرد 20 مليون شخص نجحت في عزل الرئيس السابق محمد مرسي رغم تدخل الجيش بعد مهلة زمنية... هذه الحركة كان لها انعكاس ايجابي لدى فئة من الشباب التونسي التي حاولت "محاكاة" المصريين في حراكهم الثوري علهم يعيدون أهداف ثورتهم إلى طريقها الأسلم، فبعد الإعلان الرسمي لحركة تمرد التونسية يوم 3 جويلية الجاري عن جمع مئات الآلاف من التوقيعات المساندة للحركة، وفي تصريح إذاعي، أكد الناطق الرسمي باسم حركة "تمرد" هيثم العوني منذ يومين، أن عدد الموقعين سيفوق المليون توقيع خاصة بعد الإقبال الكبير للمواطنين على التوقيع على وثيقة سحب الثقة من المجلس الوطني التأسيسي. وحركة تمرد التونسية، مثلما يعرفها مؤسسوها، هي "الحركة مدنية شعبية وسلمية ومستقلة عن كل الأحزاب السياسية وهي مستوحاة من تمرد المصرية، والهدف منها تصحيح وتطهير الثورة التي سرقتها الأحزاب المتواطئة وأحزاب الائتلاف الحاكم وسحب الثقة من المجلس التأسيسي والسلط المنبثقة عنه". وتوازيا مع مواصلة جمع التوقيعات يجري الإعداد لحراك شعبي على الميدان سينطلق من المناطق الفقيرة والمهمشة باتجاه المدن المركزية، في إطار ما أسمته الحركة "خارطة طريق للتحرك الشعبي والميداني". كما تم الإعلان مؤخرا عن إطلاق حملة ثانية تحت اسم "خنقتونا"، وهي حملة تتبناها مجموعة من الشباب بمختلف انتماءاتهم السياسية إلى جانب عدد من المنظمات والجمعيات على غرار اتحاد أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل والاتحاد العام لطلبة تونس إضافة إلى فنانين ومسرحيين ومثقفين إلى جانب مجموعتي "عصيان" و"زواولة"... وحركة "خنقتونا" تهدف إلى تجميع كل القوى الثورية والشبابية للعمل على تصحيح المسار الثوري، ولا تختلف في جوهرها عن مطالب حركة تمرد التونسية، خاصة مطلب سحب الثقة من المجلس التأسيسي والسلط المنبثقة عنه... بوادر التمرد وسياسة الاحتواء الرد السياسي لحركة تمرد التونسية جاء سريعا، فبعد يومين فقط من عقد الشباب لندوتهم الصحفية كان لراشد الغنوشي زعيم حركة النهضة تصريح مباشر حيث قال "ان ما يحدث في مصر لا يمكن أن يتكرر في تونس بمفعول اختلاف الزمان والمكان، وان الاعتقاد في حركة تمرد تونسية وهم، وجزء من أحلام اليقظة" وهذا تصريح كاف لمعرفة مدى استهتار الائتلاف الحاكم بأحلام الشباب التونسي ونيته في احتوائها وتطويقها بدلا من فهمها والإسراع بوضع "خطة ثورية حقيقية" تنسجم مع طموح الشباب وتحقق له مطالبه... وفي نفس السياق استبعد رئيس الحكومة المؤقتة علي العريض انتقال "العدوى الثورية" من مصر إلى تونس باعتبار أن "الوضع في تونس يتسم بالتوافق والشراكة"، واعتبر المستشار السياسي للحكومة المؤقتة نور الدين البحيري أن الدعوات إلى حل المجلس التأسيسي تفتح الباب أمام "الفوضى والفراغ السياسي في البلاد" وأن شرعية المجلس "لا تنتهي إلا بانتخابات قادمة" (انتخابات في علم الغيب)... وربما في هذا السياق تتنزل مبادرة مستشار وزير الخارجية السابق منار الاسكندراني الذي ينوي إطلاق مبادرة وطنية تجمع اكبر عدد من الفرقاء السياسيين بعد شهر أوت، غير أنها مبادرة لا تخلو من الانفراد بالرأي وإقصاء جزء كبير من الشعب التونسي، ففي تصريح صحفي للعضو السابق بحركة النهضة منار الاسكندراني، استعمل نون الجماعة حيث قال "التزامنا بالتوافق الوطني وتجميع التونسيين على مبدإ خدمة تونس شعبا ودولة والتفافنا حول شرعيتنا المنجزة على أساسي التوافق والانتخاب يقتضي اجتماع أبناء تونس كلهم من اجل حاضر يعد لمستقبل نريده كلنا أفضل" كما أن "التوافق والشراكة" التي يتحدث عنهما رئيس الحكومة المؤقتة ما تزال إلى اليوم "واجهة هشة" لصراعات عميقة مخفية بين القوى الاجتماعية والمدنية من جهة، والائتلاف الحاكم من جهة أخرى وفي مقدمته حركة النهضة... خاصة أن مسألة استئناف الحوار الوطني التي اقترحها الاتحاد العام التونسي للشغل ضمن مبادرة وطنية، أصبحت غير واضحة المعالم بعد أكثر من ثلاثة أشهر من التعطيل والمماطلة وتباين المواقف حول النقاط المطروحة على طاولة الحوار لعل أهمها حل رابطات حماية الثورة وأيضا الموقف مما حصل في مصر هل هو انقلاب عسكري أم ثورة ثانية؟، رغم أن الاتحاد العام التونسي للشغل عبر في بيانه حول التطورات المصرية عن تمسكه بالحوار وضرورة التوافق الوطني لتأمين الانتقال الديمقراطي وتحقيق أهداف الثورة لتونسية في الحرية والعدالة الاجتماعية والتنمية والشغل... كما أن "سحب" لجنة التوافقات بالمجلس الوطني التأسيسي البساط عن مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل لاستئناف الحوار الوطني لا تؤكد إلا عن "الواجهة الهشة" والمكابرة المفرطة من الأغلبية النيابية والائتلاف الحاكم لتعطيل الحوار ربحا للوقت... ومثلما اعتبر "الإخوان المسلمون" في مصر حركة تمرد "لعب شوية عيال"، اعتبر رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر أن حركة تمرد التونسية لا تعدو أن تكون "أعمالا صبيانية" و"ظواهر إعلامية" وهو يشعر "بالاستياء" من الدعوات الرامية إلى ضرب "الشرعية"، وبشكل مغرق في الإسفاف والعنجهية المفرطة قالت سهام بادي "الوزيرة" اليتيمة في الحكومة المؤقتة، قالت عن حركة تمرد "انشاء الله يتمرمدوا"... هذه المواقف وغيرها تطرح أكثر من سؤال حقيقي حول مدى استيعاب الائتلاف الحاكم لطبيعة وجوده في السلطة من جهة وأيضا لمدى تشابهه مع أساليب النظام السابق في قمعها للشباب المنتفض والتضييق عليه وعلى أحلامه حد الاختناق الذي بلغ الانفجار يوم 14 جانفي... "الإعلام الرسمي" والموالي: تجاهل حد الاستخفاف اكتفى الإعلام الرسمي بتقديم "خبر عابر" حول الندوة الصحفية التي عقدها شباب حركة تمرد التونسية، ولم تطرح القنوات التلفزية والمحطات الإذاعية متابعة إعلامية تشرح فيها أسباب هذه الحركة وحظوظ نجاحها من عدمه، بل إن عددا من المنابر الإعلامية ذات الخلفية الدينية مازالت إلى اليوم تبث صورا من ميدان "رابعة العدوية" فقط وتصف ما حصل في مصر بالانقلاب العسكري مرسلة بذلك رسائل "تحذير" و"تهديد" للشباب التونسي من مغبة تكرار السيناريو المصري... وبالمثل ما زالت تنشر عديد الصحف الموالية لأحزاب الائتلاف الحاكم "المقالات" الحاطة من قيمة شباب حركة تمرد التونسية باعتبارهم يفتقدون إلى الحنكة السياسية ومحدودي التكوين الفكري وتعوزهم الخبرة والتجربة وهم عرضة إلى "انتهازية السياسيين" للاستحواذ على أحلامهم... (وكأن هذه الصحف وهذه القنوات تناست أن من أسقط النظام السابق هو نفس الشباب المتمرد اليوم)... "معارضات" تفتح أحضانها للمتمردين الفورة الشبابية التي لم تكن وليدة ما حدث في مصر فقط بل للمعطيات التي ذكرناها ولغيرها من المؤشرات السلبية، يبدو أنها وجدت صدى ايجابيا لدى جزء واسع من الأحزاب السياسية والتكتلات الحزبية، بل إن هناك تقاطعات جوهرية بن أهم مطالب حركة تمرد الشبابية ومكونات الجبهة الشعبية مثلا، فمطلب تشكيل حكومة إنقاذ وطني وحل المجلس التأسيسي طرحته الجبهة الشعبية بُعيد اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد بأيام قليلة، كما أن حركة نداء تونس نظمت وقفات احتجاجية يوم 23 أكتوبر الفارطة للمطالبة بإنهاء الشرعية، وهو أيضا من بين المطالب التي تطرحها حركة تمرد التونسية ومعها حركة "خنقتونا" وحركة "فدينا" وكذلك حركة "حقرونا"... وما يُحسب للتنظيمات المدنية والسياسية التي فاقت العشرين، والمجتمعة يوم الثلاثاء 9 جويلية، أنها لم تتجاهل مطالب الشباب ولم تحتقر أحلامهم (مثلما فعل الائتلاف الحاكم) بل إن الاجتماع الأخير حضره مشاركون عن حركة تمرد التونسية وحركة حقرونا، واعتبر المشاركون في الاجتماع الذي ترأسه حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية، اعتبر المشاركون أن المجلس التأسيسي أصبح مشكلا ولم يعد هو الحل، واتفقت مجمل الأطراف على عقد مؤتمر إنقاذ وطني وضرورة إنهاء الفترة الحالية، وكان الشعار المركزي لكل الأطراف الحاضرة، الطابع السلمي والمدني للتحركات النضالية... جموح الشباب وقبضة السياسيين... بين السقف المرتفع لمطالب بعض الأحزاب السياسية من جهة، والسقف المنخفض لأحزاب وتشكيلات سياسية أخرى، وبين الاستخفاف المهين من طرف الائتلاف الحاكم لأحلام الشباب التونسي، أو الجزء الأكبر منه على الأقل، يبدو أن حركة التمرد التونسية، بمختلف تمظهراتها من تمرد إلى خنقتونا وفدينا وحقرونا وعصيان وزواولة، يبدو أن مصيرها يتوقف على مدى انسجام القوى الشبابية فيما بينها من جهة وعلى مدى قدرتهم على التعبئة والتنظم والتنظيم المحكم لإنجاح تحركاتهم الميدانية، ويتوقف أيضا على مدى انخراط المواطن التونسي في الدفاع عن مطالب ثورته الحقيقية (شغل - حرية - كرامة وطنية)، كما يتوقف على مدى جدية النخب السياسية والمدنية في التفكير في تقارب جدي وواضح حول "الشباب المتمرد" بعيدا عن محاولات استثمارها وتوظيفها فيما بعد وقودا للانتخابات القادمة... هذا "الموعد الهلامي"...

2013/07/04

"العيال كبرت"... يا مصر

لم تهدأ القنوات الاخوانية المصرية والسعودية والقطرية بالخصوص، منذ اعتصام حركة تمرد بالميادين المصرية، وإلى أن أعلن عبد الفتاح السيسي القائد العام للقوات المسلحة المصرية عن انتهاء حكم مرسي، لم تهدأ هذه القنوات عن شن هجومات كلامية مضادة للحركة التحررية، وانبرت اغلب المنابر الاخوانية تراوح خطابها الهزيل بين "شرعية مرسي" وضرورة "الجهاد" ضد كل المتظاهرين على اعتبار أنه في نظر الإخوان "لعب شوية عيال"، وضد مؤسستي الجيش والداخلية المصريتين (باعتبارهما من فلول النظام السابق حسب الإخوان)... وربما لذلك لا نستغرب أن يكون أول قرار بعد بيان إنهاء الشرعية الاخوانية هو قطع البث وغلق القنوات التحريضية (مصر 25 والحافظ والناس والرحمة والشباب) وهو إجراء استثنائي اتخذته وزارة الداخلية تجنبا لتأجيج الفتن بين المصريين وتحريضهم على الاقتتال من خلال وابل الفتاوي اللادينية الموجهة عبر هذه القنوات التي لا تمت بصلة للإعلام ولا تؤمن به سلطة رابعة شعارها إنارة الرأي العام لا الانحياز لفئة على حساب أخرى... كما أن هذه القنوات، وحسب الجيش المصري والداخلية المصرية، قد جهزت جملة من الأشرطة المصورة (فيديوهات) لأفراد من الإخوان وأتباعهم مرتدين ملابس عسكرية ليعلنوا انشقاقهم عن الجيش لصالح مرسي وجماعته لإيهام الناس أن الجيش منشق... ويدخلون بالتالي في حرب أهلية... وهذا القرار، أعتبره شخصيا قرارا ثوريا ولا يضرب حرية الإعلام مثلما يتم الترويج إلى ذلك من المنابر الاخوانية الأخرى التي تتناسى خطاب التهديد الذي أرسلته وزارة الاستثمار الاخوانية أسبوعا واحدا قبل انطلاق حملة تمرد إلى ما تسميه القنوات التلفزية العلمانية، حيث هددتها إن هي تعرضت إلى نقد الرئيس المخلوع مرسي أو جماعة الإخوان المسلمين، وهو نفس خطاب التهديد الذي وجهه مرسي للإعلاميين... وعلى عكس السلمية التي حرصت عليها حركة تمرد والانفجار الجماهيري الشعبي المحتفل بنجاح إرادته في تقرير مصيره، وفي الوقت الذي ترفرف فيه الإعلام المصرية بين أيادي المنادين برحيل مرسي، شاهدنا صدى خطاب الاخوانيين التلفزي في "مغارة الدم" تلك التي كانت مخفية خلف جدران المقر العام لمرشد الإخوان حيث تراصت قوارير المولوتوف والهراوات والخراطيش التي قتلت عددا من المتظاهرين وأصابت المئات منهم... وله الصدى أيضا في الأسلحة و"الصواريخ" المتحركة على الحدود المصرية... وفي المجموعات المسلحة التي تتحرك مثل الفيالق العسكرية ضاربة عرض الحائط قوانين البلد وأجهزته الأمنية... في الوقت الذي تتوالى فيه الأخبار عن هروب القيادات الاخوانية نحو وجهات خارج مصر... إن المشهد المصري المنفجر لا يختلف كثيرا عن المشهد التونسي، فكل المؤشرات تؤكد أن الانفجار وارد وقائم الذات، خاصة أمام تعثر الحوار في كل مرة وتعنت أصحاب "الأغلبية" وإصرارهم على كسر عنق المسار الديمقراطي المفترض، ونفس الأدوات التي شاهدناها في مصر نشاهدها في تونس من القنوات التحريضية والمساجد المحتلة والعنف المنظم في تشكيلات جمعوية إلى جانب طبعا تعثر كتابة الدستور ومحاولات تمرير نص فئوي حزبي لا يؤسس لدولة مدنية ذات أفق ديمقراطي، ويظل في الضفة المقابلة الفقر والتهميش والفساد ينخر الأغلبية المسحوقة و"يجثم" على صدور من اسقط نظام الديكتاتور السابق... ولعل التصريحات التي نتابعها من طرف بعض قياديي حركة النهضة اليوم، والملوحة بضرورة الحوار وبأن الوضع مختلف في مصر لا يمكن قراءتها إلا على أنها تصريحات استباقية وليست مبدئية، ومحاولة منها لاحتواء المتمردين التونسيين الذين أمهلوا نواب المجلس التأسيسي الكثير من الوقت وصبروا كثيرا على شطحات الحكومات المؤقتة المتعاقبة على الوجع التونسي... ذاك الوجع الذي تضاعف يوم اغتيل الشهيد الوطني شكري بالعيد... لكن الثابت والمؤكد أن ما نعيشه اليوم في تونس بين خطابات التسويف من جهة والتهديد من جهة ثانية، والممارسة الحكومية المغرقة في الليبرالية من جهة والثيوقراطية من جهة ثانية، لا يدل إلا عن تشابك خفي بين القوى الحاكمة وعدد من القوى "المعارضة" بتوجيه محكمة من الدوائر الخارجية لقبر المسار الثوري ووأد أحلام الشباب التونسي... إن ما حصل في مصر هو "ثورة الثورة" كتلك التي حدثت في فرنسا وفي روسيا وفي عدة بلدان من أمريكا اللاتينية، وليست "ثورة على الثورة" و"انقلاب على الشرعية" مثلما روج له إخوان مصر ويروج له اليوم إخوان تونس... وما حصل في مصر وسيحصل حتما في تونس هو استكمال الثورة حتى يتحقق المبدأ الحقيقي لها وهو حكم الثوريين لأنفسهم، لا أن يسطو عليها القادمون على أجنحة الطائرات من لندن وباريس وبروكسال والدوحة... ومثلما لا تصنع زهرة واحدة الربيع، فأن ثورة مصر الجديدة لا بد لها من ثورات متتالية لتتأكد فعلا كلمة الربيع العربي... ومثلما اخترع التونسيون كلمة "ديقاج" في وجه النظام المخلوع سيتجرؤون على الحلم وسيخترعون حتما شكلا نضاليا جديدا لتصحيح مسار ثورتهم...

2013/06/27

عندما يتحول محمد مرسي رئيس الجمهورية إلى محلل سياسي

في الوقت الذي تكلمت فيه المسدسات وبنادق الخرطوش والأسلحة البيضاء والعصي، وفي الوقت الذي قُتل فيه شخصان وأصيب أكثر من 200 بجروح، في بعض المدن المصرية أياما قبل تجمع حركة تمرد يوم 30 جوان الحالي الداعية أساسا إلى إجراء انتخابات في اقرب وقت وسحب الثقة من الرئيس مرسي، في ذات الوقت اعتلى محمد مرسي رئيس الجمهورية المصرية منصة مركز المؤتمرات بمدينة نصر في القاهرة ليخطب أمام حشد من الحاضرين (أغلبهم من مناصريه) بعد أن رفع المجلس العسكري حالة الطوارئ، وبعد أن وجه مرسي تعليماته (حسب الصحف المصرية) لأمناء المحافظات لحشد الأعضاء بالقاهرة لتأييده عقب إلقاء خطابه، وذلك في مواجهة الدعوات للتظاهر بميدان التحرير وأمام وزارة الدفاع للقوى الثورية والمعارضة، وتكلم مرسي لأكثر من ساعتين ونصف لم يختلف كثيرا خطاب مرسي عن تعليماته بقمع المتظاهرين، حيث جاءت كلماته محملة بالوعيد والتهديد لكل من تسول له نفسه "الانقلاب على نظام الحكم"... خطاب مرسي الذي ألقاه يوم الأربعاء يأتي يوما واحدا بعد أن أصدرت حملة "تمرد" بياناً وصفته بـ"الرسالة الأولى والأخيرة" للرئيس طالبته فيها بالرحيل قبل فوات الأوان. ومما جاء في الرسالة: "باسم أكثر من 15 مليون مصري وقّعوا على استمارات حملة تمرد، وأعلنوا رفضهم لاستمرارك في قصر الرئاسة، وحتمية إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وباسم كل من خاب أملهم فيك واستشعروا خطورة استمرارك فيما تفعله بالوطن والمواطنين.. نطالبك بالرحيل طوعاً". ولئن كانت رسالة القوى الثورية الحية في مصر واضحة ولا لبس حول مطالبها وأهداف تحركها، فأن خطاب مرسي لا يعدو أن يكون شبيها بخطاب محلل سياسي يحاول وصف الواقع وتشريح تفاصيله كما هو، وإذا كان المحلل السياسي يلتزم بأكبر قدر من الموضوعية في خطابه، فأن رئيس كل المصريين لم يكن موضوعيا مع كل المصريين في خطابه الأخير، إذ أطلق سهامه على مختلف القوى المعارضة واسترسل في ذكر الأسماء وتوجيه التهم لهم وأعتبرهم " مجرمون لا مكان لهم أبدا" (ويدعو في نفس الوقت لاستقلالية القضاء)، كما خصص جزءا كبيرا من كلامه لاستمالة مؤسستي الجيش والشرطة ووزارة الداخلية... رغم التجهم البادي على مسؤولي المؤسسات الأمنية الجالسين في الصفوف الأمامية من قاعة المؤتمرات... وبعد أن قسم المعارضة تقسيما سطحيا، وجه دعوته إلى ما أسماه المعارضة الوطنية للالتحاق بمبادرته حول تعديل الدستور والمشاركة في لجنة المصالحة الوطنية، غير أن دعوته أطلقها بلهجة فيه الكثير من التحدي يبدو أنها لن تؤدي إلا إلى مزيد الاحتقان والرفض والتمرد، خاصة أن حديث مرسي عن الاستقطاب الثنائي وخطورته على الاستقرار العام بالبلاد كان في صميم الاستقطاب الثنائي ذاته، ذلك أن مرسي لم يوجه خطابه إلى كل المصريين بل كان موجه إلى أنصاره من الإخوان المسلمين... ولذلك صنف بعض مؤسسي حركة تمرد هذا الخطاب بخطاب "الغدر" في انتظار "خطاب التراجع" ثم أخيرا "خطاب الهزيمة"... هكذا بدا خطاب مرسي خطابا تعبويا لأنصاره ومراوغا في تفاصيله، ضاربا عرض الحائط سخط أكثر من 15 مليون مصري، وهو خطاب نجد له صدى في خطاباتنا التونسية اليوم خاصة حول الجدل المحتدم بخصوص ما يسمى "قانون تحصين الثورة" وبعض الخطابات "الغوغائية" التي نسمعها هنا وهناك حول الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلم الاجتماعي والتطور الاقتصادي... اذكر هنا رد الزعيم القومي جمال عبد الناصر في احد خطبه عندما صفق له الحاضرون وقالوا له "عدها يا ريس" فأجابهم بكل ثقة في النفس "أنا مش أم كلثوم علشان أعيد الكلام، الريس يقول كلمة واحدة وبس"... الرئيس يقرر ويأمر بالتنفيذ ولا يسرف لغته في التسويف وفي تعريجات اللغة وثناياها ولا يتورط في التحاليل والاستنتاجات...

انسحاب الجنرال رشيد عمار: البيان رقم واحد أم الشجرة التي لن تحجب الغابة؟

انسحاب الجنرال رشيد عمار: البيان رقم واحد أم الشجرة التي لن تحجب الغابة؟ استحضرت رواية "الجنرال في متاهته" للكاتب الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز التي توثق الشهور السبعة الأخيرة من حياة الجنرال سيمون بوليبار، أحد الزعماء الذين شاركوا في حركة الاستقلال السياسي لدول أمريكا الجنوبية في الربع الأول من القرن التاسع عشر، استحضرت تلك الرواية المحرضة على تغليب الحب والصحة والحياة على اليأس والمرض والموت... استحضرتها وأنا أتابع ككل التونسيات والتونسيين المهتمين بالشأن الوطني، الإطلالة التلفزية على قناة "التونسية" والتي دامت قرابة ثلاثة ساعات والنصف لرئيس أركان الجيوش الثلاثة، الجنرال رشيد عمار، الذي لم يفلح في جعل "شجرة" تجاوز السن القانونية تُخفي الغابة الشاسعة من التأويلات والقراءات المختلفة لأكثر من معلومة ساقها في حواره... لندخل معه في متاهة جديدة... ونلمح الظلال السياسية تقترب من المؤسسة العسكرية بسرعة... خاصة أن طلب الإعفاء يأتي بعد استقالة وزير الدفاع السابق عبد الكريم الزبيدي في مارس الفارط... وهي استقالة وُصفت بالاحتجاجية بسبب ما يتهدد المؤسسة العسكرية من محاولات إنهاك قواها واستنزافها من الداخل واستضعافها... طلب رشيد عمار إعفاءه من مواصلة قيادة المؤسسة العسكرية قد يكون مرتبطا فعلا بنهاية السن القانونية له (متقاعد منذ 2006)، ولكن الأكيد أن من بين دوافعها عديد الضغوط من بعض الأطراف السياسية، وبعد الحملات المشككة في قدرته وقدرة المؤسسة التي يديرها على إدارة الشأن العسكري في تونس خاصة مع اندلاع أحداث الشعانبي... ولعل مطالبة محمد عبو رئيس حزب التيار الديمقراطي باستقالة الجنرال وكذلك الجلسة "السرية" لراشد الغنوشي التي اعتبر فيها أن "الجيش غير مضمون" (اعتبر السفير التونسي السابق في منظمة اليونسكو، المازري حداد أنّ الجنرال رشيد عمار اضطر إلى الاستقالة نتيجة تصريح سابق لرئيس حركة النهضة راشد الغنوشي الذي خاطب السلفيين في شريط مسرب بقوله إنّ الجيش غير مضمون) وكذلك اتهام أيوب المسعودي المستشار الإعلامي السابق لرئيس الجمهورية لرشيد عمار بالخيانة... كما أن المدعو عماد دغيج نشر فيديو على الانترنات يطالب فيه بنصب المشانق لرشيد عمار... قد تكون من بين الأسباب المباشرة... أو من بين المؤشرات والرسائل الموجهة لرشيد عمار لتدفعه إلى إعلان طلب الإعفاء من المهام قبل أن تتم إقالته... خاصة أنها مثلت رسائل تشويش على المؤسسة العسكرية ومحاولات للتدخل في سير عملها وفي اخذ القرارات الهامة بدلا عن قيادييها. لكن يبقى السؤال المفتوح ذاك المتعلق بما لم يعلنه الجنرال رشيد عمار عن نواياه السياسية بعد أن يخلع الزي العسكري... وهو ما سيفعله بداية من غرة جويلية 2013 بعد أن وافق رئيس الجمهورية المؤقت محمد المنصف المرزوقي بسرعة على طلب تفعيل الإحالة على التقاعد، وبعد أن تم تقليد رشيد عمار الصنف الأكبر من وسام الجمهورية بمناسبة الاحتفال بالذكرى 57 لانبعاث الجيش الوطني... رسائل واضحة، وأخرى مشفرة صرح بها الجنرال، منها اعتبار أن اغتيال شكري بالعيد يمثل شهادة وفاة لحكومة حمادي الجبالي، وهو ما يعني أيضا اتهامها سياسيا بعملية الاغتيال. أيضا اقتراحه على حمادي الجبالي بتشكيل حكومة كفاءات وطنية إقرار واضح على فشل الائتلاف الحكومي القائم على المحاصصة الحزبية، وهو المقترح الذي رفضته الترويكا وفي مقدمتها حزب حركة النهضة، حتى أن راشد الغنوشي وصف المقترح بأنه انقلاب على الشرعية... ومن الرسائل الواضحة أيضا، الحديث عن الأولياء الصالحين، في إشارة إلى ما تعرضت له الأضرحة والزوايا من تخريب وتدمير ومحاولة "وهبنة" تونس وإدخال التيار الوهابي التكفيري عنوة من دول الخليج... وفي علاقة بهذا المنحى كانت رسالة الجنرال واضحة ولا لبس عليها حيث اعتبر أن كميات السلاح التي تخترق حدودنا هي تمهيد لانقلاب مسلح على الحكم في تونس... خاصة أمام محاولات "صوملة" تونس من قبل تنظيم القاعدة وفروعها وخلاياها المنتشرة، مذكرا في ذات السياق بأحداث سليمان سنة 2006... ولئن تم القضاء على مجموعة سليمان فان مجموعات "ما بعد الثورة" قد يستحيل القضاء عليها، باعتبار أنها "مسنودة" من "قوى مدنية" تدافع عنها وتوفر لها كل شروط "التخريب" من "دعم معنوي" وأموال مشبوهة تدفعها لها عبر "الجمعيات والمنظمات المدنية"، لذلك نتفهم اقتراح رشيد عمار بعث "وكالة وطنية للاستعلامات" تكون ناجعة ومستقلة عن أي طرف سياسي... الجنرال كرر أكثر من مرة أنه لن يتكلم في الشأن السياسي إلا عندما يخلع زيه العسكري، وهذا يدل عن رغبة رشيد عمار في ممارسة السياسة كمواطن لا كعسكري، خاصة بعد أن تهيأت له الأرضية بشكل مناسب، فعلاقاته الكبيرة والمتينة في الداخل والخارج ستكون خير سند له، كما أن "شعبيته" لدى التونسيين غير مشكوك فيها، إلى جانب طبعا التحالفات الممكنة مع الدوائر المالية والسياسية والجهوية لأبناء الساحل... وربما لا ينسى المتابع للشأن الوطني ذاك التصريح المدوي على شبكة التواصل الاجتماعي "الفايسبوك" لفرحات الراجحي عندما قال أن رشيد عمار "سيقود انقلابا عسكريا في حال فوز حركة النهضة الإسلامية بانتخابات المجلس الوطني التأسيسي"، ولئن لم يقم رشيد عمار بانقلاب عسكري طيلة السنتين المنقضيتين، فإن ما أبان عنه من حنكة سياسية ورؤية إستراتيجية قد تدفعنا إلى القول بأن الرجل اختار طريق "التكتيك الاستراتيجي" مع حليفين بارزين هما حمادي الجبالي من جهة والمنصف المرزوقي من جهة ثانية، فرصيد الجبالي الشعبي ارتفع بشكل ملحوظ إبان الإعلان عن حكومة كفاءات وطنية، رغم أن رشيد عمار هو الذي اقترحها ولم نكتشف ذلك إلا مؤخرا، كما أن سحب بعض نواب المجلس التأسيسي إمضاءاتهم من لائحة سحب الثقة من رئيس الجمهورية المؤقت المنصف المرزوقي تزامنت مع إطلالة رشيد عمار في قناة "التونسية"، ولا ننسى أن ما يُسمى "قانون تحصين الثورة" إن تم تمريره في المجلس التأسيسي سيحرم عددا من القيادات البارزة من الترشح في الانتخابات القادمة... ثم لا ننسى أن رشيد عمار كان واحدا من ضمن أعضاء لجنة الحكماء التي اقترحها حمادي الجبالي... في نفس السياق يأتي أيضا تصريح حمادي الجبالي مباشرة بعد يوم من ظهور رشيد عمار في التلفزة، حيث تمسك الجبالي في حوار له مع وكالة الأنباء الألمانية، تمسك بحكومة كفاءات وطنية موسعة تكون محل توافق من الجميع وتعمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعب، ومقاومة العنف بكل أشكاله وخاصة العنف المسلح... وهذا "البرنامج الانتخابي" لن يرضي حتما حركة النهضة، التي يشغل الجبالي أمانتها العامة، وهو ما قد يدفعه للانسحاب من موقعه والالتحاق برشيد عمار والمرزوقي... وربما أيضا هنا نفهم تواتر تصريحات بعض السياسيين بفشل مرشحي حركة النهضة في الانتخابات القادمة (السبسي وأحمد نجيب الشابي خاصة)... إن السؤال الذي يطرح بحدة بعد تصريحات رشيد عمار، هو إذا كان الجنرال يشغل خطته منذ 2006 في إطار التمديد الذي تمنحه إياه الدولة، لماذا يصر اليوم على طلبه خاصة أن البلاد ستعيش انتخابات قادمة، ومن مهام المؤسسة العسكرية المساهمة بالقسط الأوفر لتأمين نجاح العملية الانتخابية، كما أن الفترة التي سيظل فيها منصب القائد الأعلى للجيوش التونسية (برا وبحرا وجوا) شاغرا، باعتبار أن التنظيم المؤقت للسلط يخول لرئيس الجمهورية المؤقت مهمة التعيينات والإعفاءات في الوظائف العسكرية العليا باقتراح من رئيس الحكومة، وهذا التعيين سيتطلب فترة من الزمن للتشاور والدراسة الدقيقة لخليفة رشيد عمار، فان السؤال المحير هو كيف سنؤمن هذه الفترة في غياب قيادة عليا للجيش؟... لئن اختار الجنرال رشيد عمار هذه المتاهة، فإنه دفع إليها الشعب التونسي دفعا من حيث لا يعلم أو يعلم، فهذا الشعب يجد نفسه اليوم أعزل أمام خطر "الوهبنة" و"الصوملة" و"الأسلمة"، كما باتت "ثورته" يتيمة ولا أفق لمطالبها الحقيقية إذا ما ظلت الحسابات السياسية تطغى على المصلحة العليا للوطن... وقد تكون مصيبة الشعب أكبر إذا ما كان حديث رشيد عمار بمثابة البيان رقم واحد والذي سيمهد لحكم عسكري متخفي في بدلة مدنية...

2013/06/14

الحجم الحقيقي لحركة النهضة

"لست منزعجاً لأنك كذبت علي اليوم، لكنني منزعج لأنني لن أصدقك من الآن فصاعداً." (نيتشة) يمثل الشعور بالاضطهاد والاغتراب أهم عاملين في تضخم "الأنا النهضوية"، وهو تضخم بدأ في دفع الحركة إلى تقمص دور "الجلاد" بعد أن كانت "ضحيته" من خلال استماتتها اليوم في بسط نفوذها بكل الأشكال والطرق، حيث تبني حركة النهضة خطاباتها، الدعوية والسياسية، على مبدإ صيغة التفضيل، وتقدمها قياداتها وقواعدها على حد السواء، على أنها الأفضل والأكبر والأقوى والأجدر عما دونها من باقي الأحزاب السياسية الوطنية، وهي تجتهد في تضخيم "أناها" لا فقط من خلال خطابها الملفوظ، بل أيضا من خلال الصورة التي تروجها عن نفسها بدءا من ضخامة مقرها المركزي بمونبليزير وحراسه (تذكرنا بدار التجمع الدستوري سابقا، المرتفعة بشارع محمد الخامس)، ومرورا بالمقرات الجهوية والمحلية، وصولا إلى الاجتماعات العامة التي تنظمها وتحرص على تقديمها بشكل "أركسترالي" مبني على الاستعراضات اللغوية والمشهدية، والتي تحشد لها الحافلات والسيارات لتحشد أكبر عدد ممكن من الناس فيما تسميه "المليونيات"... (مثل التجمع سابقا أيضا)... كما أن "زعيمها" يُصبغ على نفسه هالة مصطنعة انطلقت منذ أن أنشده مريدوه في مطار تونس قرطاج الدولي "أقبل البدر" ومنذ أن شبه الغنوشي انطلاقة حركته من جامع سيدي يوسف بانطلاقة الإسلام من غار حراء، وكذلك منذ أن قرر عدم الجلوس إلى منافسيه السياسيين في الحصص التلفزية والإذاعية (وهو ما قد يدل على قصور سياسي وافتقاد القدرة على الإقناع)... وأيضا بعد أن صار قبلة أصحاب المال والأعمال في مكتبه... وعودة بعض السياسيين له كلما "تناحروا" فيما بينهم (وما أكثر ذلك)... الصورة "الناصعة" لحزب حركة النهضة أيضا، يتم الترويج لها بطريقة متقنة من خلال الكتلة النيابية بالمجلس الوطني التأسيسي، وانسجامها الحديدي، في الدفاع المستميت عن الأخطاء الوزارية والمنزلقات الدستورية والقانونية، وهو "انسجام" ظاهري في الحقيقة، لأنه مبني على مبدإ "الموافقة دون اقتناع"، ومبني على التعليمات الفوقية القادمة من مجلس الشورى للحركة، لا على الاقتناع الذاتي لنائبات ونواب الحركة، وربما مقررة لجنة السلطة التشريعية والتنفيذية والعلاقة بينهما، صالحة بن عايشة عن حركة النهضة، قد تصدح ذات يوما بما خفي من تعليمات فوقية دونتها في الدفتر المتعلق بأعمال اللجنة والذي حاولت افتكاكه عنوة من النائب عمر الشتوي... أما الجانب المادي فهو الركن الأساسي في إبراز "ضخامة" حركة النهضة، فالإنفاق الباذخ يثير أكثر من نقطة استفهام حول مصادر تمويل الحركة، ولعل ما قدمته صحيفة "الاندبندنت" البريطانية، وما قامت به مجموعة "أنونيموس"، عندما اخترقت البريد الالكتروني لرئيس الحكومة السابق حمادي الجبالي، كاف لمعرفة بعض مصادر أموال الحركة، مثل قطر والسعودية وتركيا وواشنطن، خاصة إبان الحملة الانتخابية وأيضا أثناء الإعداد لمؤتمرها السنة الماضية، وهو ما كشف عنه أيضا ويليام تايلور، المبعوث الأمريكي لـ"التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط" عن قيام واشنطن بتقديم أموال لحركة النهضة، ولا يخفى على أحد أن الجماعات الإسلامية في عمومها تعتمد أيضا على شبكات التهريب وخلق بؤر الاستثمار لضمان تمويلها المالي... ومن المهم أيضا التذكير بما أكده الصحفي الفرنسي "آلان جول" حول حادثة اعتقال السلطات الفرنسية لمستشار وزير العدل والقيادي في الحركة السيد بلقاسم الفرشيشي في مطار "أورلي" الدولي بتهمة تبييض الأموال بعدما تمّ القبض عليه صحبة تونسيين آخرين قادمين من السعودية بحقائب مليئة بالأموال... ولكن الثابت أيضا من ناحية أخرى أن الحركة تستمد "تعملقها" من تشتت القوى الديمقراطية وارتباك مواقفها من جهة، وأيضا من خلال سياسة الصمت والإفراط في "الانبطاحية" من طرفي الترويكا، حزب التكتل والمؤتمر... الأكيد أن مثل هذه المقومات وغيرها تساهم، بل ساهمت فعلا في إظهار حزب حركة النهضة كحزب "عملاق" لا يضاهيه أي تنظيم آخر، ولكن هل فعلا هذه هي الصورة الحقيقية لحزب عاش أكتر من ثلاثين سنة مشتتا بين السجون والمنافي ولاذ أكثر من ثلثيه بالصمت طيلة حكم النظام السابق وانحدر عدد كبير منها في مستنقع بن علي؟ أعتقد أن "تهديد" راشد الغنوشي في كل مرة "بأن محاولة إقصاء النهضة من الحكم سيدخل البلاد في منعرج التناحر والعنف" يؤكد، في لا وعيه ولا وعي الجماعة، أن حجم الحركة الحقيقي عكس الصورة المقدمة عنه، كما أن التلويح المستمر بأن حركة النهضة ستنتصر في الانتخابات المقبلة لا يدل إلا عن وعي "الجماعة" بحجمهم الحقيقي مما يدفعهم إلى توخي سياسة الهروب إلى الأمام من خلال الإيهام "بامتلاك ولاء الشعب" مثلما قال ذلك الغنوشي في اجتماعه بصفاقس بمناسبة الذكرى 32 لتأسيس "الاتجاه الإسلامي"... أما أهم المؤشرات الدالة على زيف الصورة المضخمة لحركة النهضة، فهي سياستها في حد ذاتها مع طرفين على الأقل بشكل مباشر، الأول هم السلفيون ومن لف لفهم من أحزاب كالتحرير وجبهة الإصلاح وحزب العدالة والتنمية وحزب الفضيلة وحزب الأمانة وأنصار الشريعة وحزب الأمة التونسي واللقاء الإصلاحي الديمقراطي، إلى جانب الجمعيات الدعوية... فجميعها تُظهر "العداء" لحركة النهضة وعدم الاتفاق مع سياستها، في حين أنها تمثل قاعدتها الانتخابية، ولنا في انتخابات 23 أكتوبر خير دليل على "الهبة الإسلامية" للسلفيين الرافضين آنذاك الانتخابات... وتصويتهم الجماعي لفائدة مرشحي الحركة... أما الطرف الثاني، فهو ما يحلو لحركة النهضة تسميتهم "التجمعيين النظاف" مثل حامد القروي الذي كتب عنه خالد شوكات في صحيفة المغرب، بأن الفترة التي كان فيها وزيرا أول (1991/1999) فاقت فيها ملفات التعذيب الأربعين ألف ملف، ومثلت عشريته الأكثر "عفونة وسوادا في زمن التحول العتيد"، وما حامد القروي إلا واحد من المئات... فسياسة الانتقاء التي تنتهجها النهضة مع أبناء النظام السابق، ومنحها بعض المتنفذين سلطة جديدة، مالية أو سياسية، تؤكد أن الحركة تنفخ في صورتها بشكل هستيري يبلغ حد "أكل لحم أبنائها المضطهدين" بكل جحود ونكران لذواتهم، وكل ذلك في سبيل الاستئثار بالسلطة وتحقيق حلم الحكم، ولعل رفع كلمة "ديقاج" في وجه أهم مؤسسي الحركة، المحامي عبد الفتاح مورو، خير دليل على مدى جحود ونكران أهل مونبليزير لآبائهم المؤسسين، (إلى الآن لم نرَ موقفا شاجبا أو رافضا للاعتداء على مورو)... كما أن قانون "تحصين الثورة" هو بالأساس مدخل منهجي وتكتيك سياسي لتحصين بقاء الحركة في الحكم بشروطها هي... ولذلك نتابع اليوم اللقاءات الماراطونية، العلنية والخفية، بين حركة النهضة والمعنيين بهذه "البدعة"، وهي لقاءات تبحث بالأساس شروط الرضى والموافقة... الجانب المهم أيضا والأساسي في التضخيم المفتعل لحركة النهضة، هو العودة بكل قوة إلى الخطاب الديني، باحتكار النطق باسم الله من جهة، واعتبار منافسي الحركة أعداء الله والدين، وهذا ما نجده في قول الغنوشي ذاته عندما قال "سيسجل التاريخ أنه في سنة 2012 تخلى البعض عن آخر التسميات أو الأفكار التي تظهر العداء للدين" في إشارة واضحة لحزب العمال الشيوعي سابقا...(الحزب الذي دافع بشراسة عن حركة النهضة أيام بن علي) ومثل هذا التصريح لا يدل على سذاجة فكرية، بل هو يدل على افتقاد حركة النهضة إلى أدنى شروط الديمقراطية في العمل السياسي، ويدل أيضا، ومرة أخرى، على وهم الصورة المضخمة للحركة... فمقارعة المنافسين السياسيين، حسب حركة النهضة، لا يتم وفق البرامج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بل تستبيح فيه الحركة "المقدس الديني" وتنزل به من عليائه إلى الحضيض... وتُشهر فيه كل أشكال التشويه والادعاء بالباطل، وهذا ما يؤكد أن الحركة لا تمت بصلة للعمل السياسي المدني، وأن حجمها الحقيقي لا يخرج من مساحات المساجد والفضاءات الدعوية... وكأن الحركة لا تهتم بالمواطن التونسي بقدر ما تهتم بالمتدين... وربما لذلك نفهم إصرارها المستميت على الترويج الدائم لمقولة "الشعب التونسي مسلم"... إن الأحزاب التي لا "تصنع" لنفسها صورة مضخمة لا يمكنها أن تستأثر بالحكم وتسيير دواليب الدولة، مهما كانت الدولة، ولكن التضخيم المبالغ فيه والمبني على قاعدة هشة ومفتقد لأرضية واقعية وأفق واقعي سيعجل حتما بانهيارها واندثارها، وهو ما لا نتمناه لحركة النهضة باعتبارها جزء من المشهد السياسي اليوم، وهو ما نتمنى أيضا أن تستوعبه قياداتها وقواعدها، وتفهم أنها لا تمثل كل المشهد وليست أيضا الجزء "الأهم" و "الأصعب" فيه...

2013/05/28

السلفية، ذاك المارد الذي لن يعود إلى قمقمه

تلتقي أغلب المؤشرات الموضوعية والذاتية، حول حقيقة، باتت اليوم بمنأى عن أي تفنيد، حقيقة مفادها أن مارد السلفية قد كَسَرَ كل القيود المضروبة عليه، وانفلت من القمقم الذي حُشر فيه حشرا طيلة عقود من الزمن، وحقيقة أن عودته، إن طوعا أو غصبا، إلى قمقمه باتت صعبة، أن لم نقل مستحيلة، على الأقل على المدى القريب... بعد أن "حُوصرت" تونس بين أضلاع مثلث برمودا (حركة النهضة، حزب التحرير وأنصار الشريعة). فالسلفية، التي لا تمثل ظاهرة عامة في المجتمع التونسي، هي بصدد افتكاك تمظهرها الحقيقي والطبيعي الموؤود في الفترتين "الدستوريتين" السابقتين، مستندة في ذلك على المعطيين المكاني والزماني، فجغرافيا، تحولت تونس إلى معبر حقيقي للأسلحة الخفيفة والثقيلة، بعد أن "تأثثت" مكتباتها ومعارضها بالكتب المحرضة على الجهاد والعنف، وبعد أن صارت قبلة "شرعية" للدعاة المتشددين ولأصحاب الفكر الأصولي، وتحديدا الوهابي منه، الذي يضخ كميات هائلة من الأموال لتثبيت قدم محمد بن عبد الوهاب من جديد، ومذهبه الوهابي القائم على قاعدة "أسلم تسلم"، بعد أن "قطع دابرها" العلامة التونسي عمر المحجوب بطلب من حمودة باشا، باي تونس في القرن الثامن عشر... أما المعطى الزماني، فقد مثل ما سمي "الربيع العربي" مناخا مناسبا لاستفاقة التيار السلفي وظهوره إلى العلن، لممارسة السياسة والتشكل في الأحزاب والجمعيات والمنظمات غير الحكومية، ("أنصار الشريعة" لها 213 جمعية خيرية تقدر نسبة تعاملاتها المالية 3 مليارات و826 مليون دينار... وحركة النهضة لها189 جمعية خيرية واجتماعية تقدر معاملاتها المالية ب4.2 مليار... ولحزب التحرير87 جمعية خيرية وطبية تقدر معاملاتها المالية ب1.9مليار من المليمات)، معتبرين أن الزمن هو زمن الصحوة الإسلامية التي انطلقت منذ سقوط نظام صدام حسين في العراق سنة 2003، وأن الأوان حان لإقامة دولة "الخلافة الراشدة السادسة"، تلك التي أعلن عنها السيد حمادي الجبالي في إحدى الاجتماعات العامة لحزب حركة النهضة (الاتجاه الإسلامي سابقا)، وهو التصريح الذي فتح المجال واسعا أمام الصنفيين الثانيين (حزب التحرير وأنصار الشريعة) إلى المضي قدما في تحويل وجهة الدولة التونسية من دولة جمهورية مدنية إلى إمارة إسلامية (عاصمتها القيروان) تحكمها الشريعة. بين حركة النهضة، صاحبة الأغلبية في المجلس الوطني التأسيسي، وحزب التحرير المحظور في عدة بلدان عربية وأوروبية، والسلفية الجهادية ممثلة في أنصار الشريعة من جهة ثالثة، يتحرك المارد بسرعات مختلفة، وبأشكال متنوعة، ولكن في اتجاه غاية واحدة، ولأجل تحقيق هذه الغاية بالذات، فإن كل الوسائل متاحة ومُباحة، وهي شرعية بالتالي لا نقاش فيها ولا اختلاف... ومن ثمة تم تقسيم الأدوار بين الأطراف الثلاثة، كل حسب موقعه، وحسب ارتباطاته الداخلية والخارجية، حيث اضطلعت حركة النهضة بتعطيل مداولات المجلس الوطني التأسيسي من خلال أصوات ممثليها، وتكفلت وزارة الشؤون الدينية بترك باب المساجد مفتوحا أمام الأيمة المتشددين والمختصين في تفرقة الشعب التونسي بين المؤمنين والكفار، كما جعلت المؤسسة الأمنية مرتبكة في أدائها (أحداث السفارة الأمريكية وأحداث بئر علي بن خليفة والروحية...الاعتداء على زوايا الأولياء الصالحين...) ووقفت حركة النهضة ضد مشروع دسترة المؤسسة الأمنية وضد النقابات المنبثقة من هذا الجهاز، ولم تتوانى وزارة الخارجية التونسية في جعل دولتا قطر والسعودية، دولتا تدخل بامتياز في الشؤون الداخلية لتونس... أما حزب التحرير، وبعد الإيهام بمقاطعته لانتخابات 23 أكتوبر، فقد تكفل بإعلان ما لا يمكن أن تعلنه حركة النهضة بشكل مباشر، وهو إقامة دولة الخلافة، و"رجوع الإسلام"، خاصة بعد أن وزع "دستور الخلافة" الذي ينص على أن الديمقراطية كفر وشرك بالله، كما أن حزب التحرير تكفل بمهمة "تشويه" الخصوم السياسيين لحركة النهضة، ومنهما خاصة "العلمانيين والملحدين"، مثل الجبهة الشعبية اليسارية، و"أزلام النظام البائد" مثل حركة نداء تونس، ولم يتأخر أنصاره في كل مرة، في ضرب العمل النقابي وتشويه الاتحاد العام التونسي للشغل... أما السرعة القصوى لمارد السلفية والتشدد الديني، فيتجلى في المجموعات السلفية الجهادية، والمعروفة بأنصار الشريعة، فبعد الأعمال الخيرية والدعوية التي انتظمت في المناطق الأكثر فقرا وتهميشا في تونس، وبعد إجراء التدريبات في المعسكرات الجهادية خاصة في ليبيا للتنقل إلى سوريا وإسقاط نظام بشار الأسد وإقامة دولة الخلافة، خاصة أن أنصار الشريعة يقاسمون "تنظيم القاعدة المنهج الفكري والعقائدي"، ورغم أن أنصار الشريعة لا يعتبرون تونس "أرض جهاد"، إلا أنهم مثلوا "ورقة رابحة" لدى حركة النهضة لكسر عنق الانتقال الديمقراطي وتحويل وجهة نظر الرأي العام الوطني عن مشاكل التنمية والتشغيل في تونس، وإلهائه عن الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخانقة، فالعلاقة "الأخوية" بين قياديين من حركة النهضة و "أمير" أنصار الشريعة، سيف الله بن حسين المكنى "أبو عياض"، علاقة لم تعد خافية عن أحد، خاصة بعد التحول الكامل في نظرة راشد الغنوشي "لأبنائه" السلفيين، واعتبارهم "جماعة تكفيرية"، وأيضا تصنيف علي العريض رئيس الحكومة المؤقتة أنصار الشريعة "بالجماعات الإرهابية"، ليصير بذلك "أمن التونسي" الأولوية القصوى بدلا من التشغيل والتنمية وإنهاء كتابة الدستور والمرور إلى الانتخابات، وقد نجحت الحركة ومن ورائها حزب التحرير وأنصار الشريعة، في "تأليف قلوب" الشعب والنخبة التونسية لتجاوز هذا "الخطر" و"التضحية" من جديد بالفقر والتهميش وحالة الضبابية السياسية... أن توزيع الأدوار بين الأطراف الثلاثة، ولئن كان مكشوفا لدى الطبقة السياسية والفكرية، فإنه مازال يفعل فعله لدى الأوساط الشعبية المستبطنة في لا وعيها لمقولة "التونسي مسالم بطبعه"، والأوساط الشعبية، تمثل الطرف الأهم بالنسبة لحركة النهضة في المعادلة الانتخابية القادمة، باعتباره يمثل ثقلا معتبرا من ناحية الأصوات التي سيمنحها للحكومة التي "تمكنت" من "كبح جماح الإرهاب والتطرف الديني" في الفترة الحالية... رغم أنها أطلقت سراح الناطق الرسمي باسم أنصار الشريعة؟ ولكن هل ستتمكن فعلا حركة النهضة من "كبح جماح أنصار الشريعة"؟ وهل ستتوقف دوامة العنف باسم الدين في حدود مواجهات "غير رسمية" بين رجال الأمن و"أشباح" الجهاديين في جبال الشعانبي وبوقرنين، وفي باحة المساجد وفي الأحياء المفقرة والمهمشة؟ أم أن "انفلاتات" مرتقبة من الشباب السلفي قد تنقلنا إلى مرحلة التفجيرات الانتحارية والأحزمة الناسفة والذبح والسحل وما شابهها من طرق تطبيق "شرع الله" في تونس؟ بين تفادي الحلقة الأخيرة من مسار تدمير الانتقال الديمقراطي، و"إحلال" نظام ديكتاتوري جديد، وبين "تأمين" هذا المسار الذي طال أمده، يظل "مقود البلاد" (مثلما قال راشد الغنوشي) بيد حركة النهضة، ويظل الخط المستقبلي لتونس رهين صندوق النقد الدولي ومدى تطبيق شروطه وضمان سياسته.

2013/05/16

جولة ثانية من الحوار الوطني: هل تنزع النوايا الحسنة فتيل المواجهات المحتملة؟

بعد جولة أولى من الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل مختلف الإطراف السياسية والحقوقية والمدنية، يوم 16 أكتوبر 2012، وحضرها الرؤساء الثلاثة و43 حزبا و76 منظمة وجمعية، ورغم سعي الأطراف، التي تخلفت عن الجولة الأولى، إلى سحب البساط من تحت مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل الوطنية بتعلة أن قبة المجلس الوطني التأسيسي هي الفضاء الوحيد والجهة المخول لها إدارة الحوارات الوطنية في خطوة أولى، ثم بتنظيم مؤتمر للحوار الوطني بإشراف رئاسة الجمهورية في مرحلة ثانية، وفي خضم ما تعيشه البلاد من أحداث التفجيرات الإرهابية في جبال الشعانبي، وإصرار "أنصار الشريعة" على عقد مؤتمرهم السادس "رغم أنف لطفي بن جدو" وزير الداخلية، وكذلك بعد قرار المحكمة الإدارية بإيقاف تنفيذ السلم التقييمي لاختيار المرشحين للهيئة العليا للانتخابات... وأمام الانزلاق الخطير لسعر الدينار... وفتح بورصة تونس للأوراق المالية حصتها باللون الأحمر... في خضم هذا الوضع، وفي نفس المكان (قصر المؤتمرات)، انطلقت جولة ثانية من الحوار الوطني، يوم 16 ماي 2013، حيث ارتكزت نقاشات الجولة الثانية بالخصوص على خمس نقاط أساسية تتمثل في إنهاء تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وتحديد تاريخ إنهاء وإصدار دستور يجسد مدنية الدولة ويؤسس للحقوق والحريات، وتحديد تاريخ إصدار قانون انتخابي، وتحديد أجل نهائي لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وأخيرا تنقية المناخ العام ونبذ العنف والإرهاب ومجابهته... وهي نقاط، حسب المشاركين، ستوفر الأرضية والظروف الملائمة لانجاز انتخابات ديمقراطية وتعددية ونزيهة وشفافة. نقاط جديدة تنضاف إلى جملة النقاط المطروحة في الجولة الأولى والتي من أهمها المطالبة بحكومة محدودة العدد لا يتحمل أعضاؤها مسؤوليات حزبية ولا يرشحون للانتخابات القادمة رئاسية كانت أم تشريعية، والرجوع عن التعيينات الحزبية، وتشكيل لجنة عليا للتشاور حول التعيينات الجديدة وفق مقاييس موضوعية، وحل كل اللجان والميليشيات والرابطات والمجموعات المنظمة، وكذلك الإسراع بكشف حقيقة كل أحداث العنف وحقيقة اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد وتقديم، إلى جانب تحييد المساجد والنأي بها عن الصراعات السياسية والحزبية ومحاسبة كل الداعين للتكفير والتحريض على العنف، والتعجيل بتركيز الهيئة المستقلة للقضاء والهيئة العليا المستقلة للإعلام والهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وتفعيل ما تم الاتفاق بشأنه في العقد الاجتماعي الممضى بين الأطراف الاجتماعية ومعالجة الوضع الاجتماعي المتردي... وتأتي الجولة الثانية للحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل، بعد جملة من "التوافقات والاتفاقات" التي أثمرتها جلسات الحوار بقصر الضيافة بقرطاج والتي دامت قرابة الشهرين، وهي توافقات ستأخذ الهيئة المشتركة للتنسيق والصياغة بالمجلس الوطني التأسيسي بعين الاعتبار لها لتضمينها في مسودة الدستور الجديد... وشملت هذه الاتفاقات، النظام السياسي الذي سيكون مختلطا تتوازن فيه السلطات الثلاث وتراقب بعضها البعض إلى جانب منح رئيس الجمهورية صلاحيات رسم السياسات العامة والدفاع والأمن القومي والعلاقات الخارجية والقيام بتعيينات في الخطط السامية، كما نصت الاتفاقات على تضمين الدستور الجديد الحق النقابي والحق في الإضراب دون قيد أو شرط، وآخر التوافقات كانت حول الفصل 136 من الدستور الذي ينص على "أنه لا يمكن لأي تعديل دستوري أن ينال من الإسلام باعتباره دين دولة" وتم اختصار مضمونه على ألا يمس ذلك مضمون الفصلين الأول والثاني من الدستور. غير أن الاختلاف ما يزال قائما فيما يتعلق بشأن تركيبة المجلس الأعلى للقضاء وخاصة نسبة تمثيلية القضاة صلبه... غير أن الخلاف الحقيقي، هو الحاصل بين مختلف الأطراف من جهة وحركة النهضة من جهة ثانية بخصوص حل رابطات حماية الثورة، وهي ربما النقطة التي سوف تكون عثرة الطريق في الحوار الوطني تحت خيمة الاتحاد العام التونسي للشغل خاصة أن التقرير الختامي للاتحاد أثبت بالصورة والصورة تورط أعضاء رابطات حماية الثورة في الاعتداء على النقابيين وعلى بطحاء محمد علي يوم 4 ديسمبر 2012 يوم الاحتفال بستينية الاتحاد. وقد سبق لزعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، الإعلان يوم الأربعاء، 15 ماي 2013، أي يوما قبل انطلاق الجولة الثانية للحوار الوطني، أعلن راشد الغنوشي انه لا سبيل لحل رابطات حماية الثورة إلا عبر القضاء، وهو إعلان لا يُمكن أن يُفهم إلا في سياق تأزيم الحوار الوطني... رغم أن راشد الغنوشي سبق أن "صافح" زعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي ضمن الحوار الوطني الاقتصادي الذي دعا إليه اتحاد الصناعة والتجارة، وهي المصافحة التي أثارت الكثير من الحبر والتعاليق الصحفية والسياسية وذهبت بعيدا في التأويلات والقراءات، ولكن الثابت أن هذه المصافحة "التاريخية" كانت نتيجة حتمية للدور الريادي الذي اضطلع به قياديو الحزب الجمهوري في تقريب وجهات النظر بين الحركتين (النهضة ونداء تونس)... ولكن إن كان حوار دار الضيافة سياسي ـ سياسي، وتحركه أجندات انتخابية بالأساس، فان الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل يتشابك فيه البعد السياسي بالبعد الاجتماعي، وهو ما يجعل الهوة أكثر عمقا بين الفرقاء السياسيين والأطراف الاجتماعية، وقد يجعل "المصافحة" بعيدة المنال خاصة بين زعيم الجبهة الشعبية حمة الهمامي وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي أو زعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي، باعتبار أن الجبهة لا ترى في الحركتين إلا وجهان لعملة واحدة، وهي السياسة الليبرالية المجحفة والضاربة لدولة العدالة الاجتماعية... إن التوافقات الحاصلة بين مختلف الأطراف في الحوارات السابقة، هي توافقات هشة و"تكتيكية" بالأساس، ينتهي افقها مع بداية الانتخابات القادمة (إن حصلت) مع تركيز حكومة ذات شرعية انتخابية، ذلك أن "المقود" في يد حركة النهضة مثلما صرح بذلك راشد الغنوشي في إحدى خطبه الحزبية، كما أن "الانغراس" الوظيفي للمنتسبين لحركة النهضة في مفاصل الدولة ومؤسساتها سيكون حاسما في صندوق الاقتراع، إلى جانب دور رابطات حماية الثورة والجماعات السلفية التي ستتجند مثلما فعلت في انتخابات 23 أكتوبر لتدفع الناس إلى منح أصواتهم للحركة الإسلامية. أما حركة نداء تونس والأحزاب المتحالفة معها، فان التوافقات التي بلغتها مع حركة النهضة، هي الأخرى توافقات تكتيكية، ستنتهي بمجرد "الفوز"في الانتخابات، باعتبار أن "دولة البوليس"ستكون الحل الأمثل للتعامل مع الجماعات السلفية من جهة ومع الإضرابات العمالية من جهة ثانية... وفي الحالتين، فإن "الصراع" التاريخي بين المنظمة الشغيلة من جهة، والحزب الحاكم في الدولة، من جهة ثانية، سيظل قائما، أمام غياب المؤشرات الحقيقية الضامنة لدولة الرفاه الاجتماعي التي طالب بها الشعب المنتفض عن النظام السابق... ولعل في الكلمة الافتتاحية التي ألقاها المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية المؤقت أكثر من دلالة على تباين المواقف بين الشقين، ففي خطابه ذكر بضرورة "خفض الاحتقان السياسي والاجتماعي"، معتبرا بذلك أن هذا الاحتقان سببا وليس نتيجة، وهي ذات النقطة التي اختلف فيها معه الاتحاد العام التونسي للشغل عندما طلب المرزوقي السنة الفارطة "هدنة اجتماعية"، كما أن مبدأ حرية التعبير والصحافة وردت في خطاب الرئيس المؤقت في إطار "اتهام صريح" إذ "أدان" ما أسماه "الاحتقان الإعلامي الذي لم يسلم منه إلى حد الآن أي طرف" معتبرا أن "الباب مفتوح على أخطر المغامرات"... رئيس الجمهورية المؤقت، وإن طالب برص الصفوف أمام تنامي ظاهرة التشدد الديني، فإنه قال حرفيا في خطابه "لا أفهم ولا أقبل أن تمنع فتاة منقبة من اجتياز الامتحانات الجامعية"، (وهي الجملة التي لاقت ردة فعل سلبية لدى الحضور) وهي أيضا نظرة لا تنم عن الخلفية الحقوقية للرجل، بل هي بالأساس تضرب في العمق القانون المنظم للمؤسسات التربوية، وتفتح المجال مجددا لانتهاك الفضاء التعليمي... إن تباين الرؤى والمواقف من القضايا الوطنية المعرقلة للانتقال الديمقراطي تجلت بشكل واضح من خلال "الإنشائية المفرطة" لأحزاب الترويكا بالأساس، في الوقت الذي أبانت فيه منظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للتجارة والصناعات التقليدية وبقية الأحزاب التي لم تشارك في حوار قصر الضيافة بقرطاج، أبانوا عن تصورات عملية وممكنة، على الأقل في جانبيها الاقتصادي والاجتماعي، لعل أهمها إيقاف برنامج الإصلاح الهيكلي الجديد، وعدم عقد اتفاقات دولية ذات تأثير في المستقبل، وإيقاف كل الاتفاقيات والصفقات التي تم بمقتضاها البيع أو التفويت في الشركات والمؤسسات والأراضي، والدعوة إلى عدم خصخصة أي شركة أو مؤسسة عمومية، وتعليق تسديد الديون وتكوين لجنة تدقيق في شأنها، إلى جانب تجميد الأسعار ووضع آليات لمقاومة الفساد المالي والتهرب الجبائي... وغيرها من المقترحات العملية، كتلك التي طرحها السيد مصطفى الفيلالي في كلمته الشرفية في الجولة الثانية من مؤتمر الحوار الوطني، والمتعلقة بإنشاء وزير دولة خاص بمنطقة الجنوب لمنحها صلاحيات القرار الجهوي. بالأخير يظل الحوار الوطني، مهما اختلفت فضاءاته ومنظميه والداعين إليه والمشاركين فيه، يظل حوارا ممكنا وبناء إذا كانت أرضيته الأساسية تؤمن بشعار "إن كنا غير شركاء في الحكم فنحن شركاء في الوطن"، وهو الشعار القادر على سد الطريق على كل ما من شأنه أن يهدد سلامة الوطن وكرامة شعبه.

جولة ثانية من الحوار الوطني: هل تنزع النوايا الحسنة فتيل المواجهات المحتملة؟

بعد جولة أولى من الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل مختلف الإطراف السياسية والحقوقية والمدنية، يوم 16 أكتوبر 2012، وحضرها الرؤساء الثلاثة و43 حزبا و76 منظمة وجمعية، ورغم سعي الأطراف، التي تخلفت عن الجولة الأولى، إلى سحب البساط من تحت مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل الوطنية بتعلة أن قبة المجلس الوطني التأسيسي هي الفضاء الوحيد والجهة المخول لها إدارة الحوارات الوطنية في خطوة أولى، ثم بتنظيم مؤتمر للحوار الوطني بإشراف رئاسة الجمهورية في مرحلة ثانية، وفي خضم ما تعيشه البلاد من أحداث التفجيرات الإرهابية في جبال الشعانبي، وإصرار "أنصار الشريعة" على عقد مؤتمرهم السادس "رغم أنف لطفي بن جدو" وزير الداخلية، وكذلك بعد قرار المحكمة الإدارية بإيقاف تنفيذ السلم التقييمي لاختيار المرشحين للهيئة العليا للانتخابات... وأمام الانزلاق الخطير لسعر الدينار... وفتح بورصة تونس للأوراق المالية حصتها باللون الأحمر... في خضم هذا الوضع، وفي نفس المكان (قصر المؤتمرات)، انطلقت جولة ثانية من الحوار الوطني، يوم 16 ماي 2013، حيث ارتكزت نقاشات الجولة الثانية بالخصوص على خمس نقاط أساسية تتمثل في إنهاء تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وتحديد تاريخ إنهاء وإصدار دستور يجسد مدنية الدولة ويؤسس للحقوق والحريات، وتحديد تاريخ إصدار قانون انتخابي، وتحديد أجل نهائي لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وأخيرا تنقية المناخ العام ونبذ العنف والإرهاب ومجابهته... وهي نقاط، حسب المشاركين، ستوفر الأرضية والظروف الملائمة لانجاز انتخابات ديمقراطية وتعددية ونزيهة وشفافة. نقاط جديدة تنضاف إلى جملة النقاط المطروحة في الجولة الأولى والتي من أهمها المطالبة بحكومة محدودة العدد لا يتحمل أعضاؤها مسؤوليات حزبية ولا يرشحون للانتخابات القادمة رئاسية كانت أم تشريعية، والرجوع عن التعيينات الحزبية، وتشكيل لجنة عليا للتشاور حول التعيينات الجديدة وفق مقاييس موضوعية، وحل كل اللجان والميليشيات والرابطات والمجموعات المنظمة، وكذلك الإسراع بكشف حقيقة كل أحداث العنف وحقيقة اغتيال الشهيد الوطني شكري بالعيد وتقديم، إلى جانب تحييد المساجد والنأي بها عن الصراعات السياسية والحزبية ومحاسبة كل الداعين للتكفير والتحريض على العنف، والتعجيل بتركيز الهيئة المستقلة للقضاء والهيئة العليا المستقلة للإعلام والهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وتفعيل ما تم الاتفاق بشأنه في العقد الاجتماعي الممضى بين الأطراف الاجتماعية ومعالجة الوضع الاجتماعي المتردي... وتأتي الجولة الثانية للحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل، بعد جملة من "التوافقات والاتفاقات" التي أثمرتها جلسات الحوار بقصر الضيافة بقرطاج والتي دامت قرابة الشهرين، وهي توافقات ستأخذ الهيئة المشتركة للتنسيق والصياغة بالمجلس الوطني التأسيسي بعين الاعتبار لها لتضمينها في مسودة الدستور الجديد... وشملت هذه الاتفاقات، النظام السياسي الذي سيكون مختلطا تتوازن فيه السلطات الثلاث وتراقب بعضها البعض إلى جانب منح رئيس الجمهورية صلاحيات رسم السياسات العامة والدفاع والأمن القومي والعلاقات الخارجية والقيام بتعيينات في الخطط السامية، كما نصت الاتفاقات على تضمين الدستور الجديد الحق النقابي والحق في الإضراب دون قيد أو شرط، وآخر التوافقات كانت حول الفصل 136 من الدستور الذي ينص على "أنه لا يمكن لأي تعديل دستوري أن ينال من الإسلام باعتباره دين دولة" وتم اختصار مضمونه على ألا يمس ذلك مضمون الفصلين الأول والثاني من الدستور. غير أن الاختلاف ما يزال قائما فيما يتعلق بشأن تركيبة المجلس الأعلى للقضاء وخاصة نسبة تمثيلية القضاة صلبه... غير أن الخلاف الحقيقي، هو الحاصل بين مختلف الأطراف من جهة وحركة النهضة من جهة ثانية بخصوص حل رابطات حماية الثورة، وهي ربما النقطة التي سوف تكون عثرة الطريق في الحوار الوطني تحت خيمة الاتحاد العام التونسي للشغل خاصة أن التقرير الختامي للاتحاد أثبت بالصورة والصورة تورط أعضاء رابطات حماية الثورة في الاعتداء على النقابيين وعلى بطحاء محمد علي يوم 4 ديسمبر 2012 يوم الاحتفال بستينية الاتحاد. وقد سبق لزعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، الإعلان يوم الأربعاء، 15 ماي 2013، أي يوما قبل انطلاق الجولة الثانية للحوار الوطني، أعلن راشد الغنوشي انه لا سبيل لحل رابطات حماية الثورة إلا عبر القضاء، وهو إعلان لا يُمكن أن يُفهم إلا في سياق تأزيم الحوار الوطني... رغم أن راشد الغنوشي سبق أن "صافح" زعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي ضمن الحوار الوطني الاقتصادي الذي دعا إليه اتحاد الصناعة والتجارة، وهي المصافحة التي أثارت الكثير من الحبر والتعاليق الصحفية والسياسية وذهبت بعيدا في التأويلات والقراءات، ولكن الثابت أن هذه المصافحة "التاريخية" كانت نتيجة حتمية للدور الريادي الذي اضطلع به قياديو الحزب الجمهوري في تقريب وجهات النظر بين الحركتين (النهضة ونداء تونس)... ولكن إن كان حوار دار الضيافة سياسي ـ سياسي، وتحركه أجندات انتخابية بالأساس، فان الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل يتشابك فيه البعد السياسي بالبعد الاجتماعي، وهو ما يجعل الهوة أكثر عمقا بين الفرقاء السياسيين والأطراف الاجتماعية، وقد يجعل "المصافحة" بعيدة المنال خاصة بين زعيم الجبهة الشعبية حمة الهمامي وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي أو زعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي، باعتبار أن الجبهة لا ترى في الحركتين إلا وجهان لعملة واحدة، وهي السياسة الليبرالية المجحفة والضاربة لدولة العدالة الاجتماعية... إن التوافقات الحاصلة بين مختلف الأطراف في الحوارات السابقة، هي توافقات هشة و"تكتيكية" بالأساس، ينتهي افقها مع بداية الانتخابات القادمة (إن حصلت) مع تركيز حكومة ذات شرعية انتخابية، ذلك أن "المقود" في يد حركة النهضة مثلما صرح بذلك راشد الغنوشي في إحدى خطبه الحزبية، كما أن "الانغراس" الوظيفي للمنتسبين لحركة النهضة في مفاصل الدولة ومؤسساتها سيكون حاسما في صندوق الاقتراع، إلى جانب دور رابطات حماية الثورة والجماعات السلفية التي ستتجند مثلما فعلت في انتخابات 23 أكتوبر لتدفع الناس إلى منح أصواتهم للحركة الإسلامية. أما حركة نداء تونس والأحزاب المتحالفة معها، فان التوافقات التي بلغتها مع حركة النهضة، هي الأخرى توافقات تكتيكية، ستنتهي بمجرد "الفوز"في الانتخابات، باعتبار أن "دولة البوليس"ستكون الحل الأمثل للتعامل مع الجماعات السلفية من جهة ومع الإضرابات العمالية من جهة ثانية... وفي الحالتين، فإن "الصراع" التاريخي بين المنظمة الشغيلة من جهة، والحزب الحاكم في الدولة، من جهة ثانية، سيظل قائما، أمام غياب المؤشرات الحقيقية الضامنة لدولة الرفاه الاجتماعي التي طالب بها الشعب المنتفض عن النظام السابق... ولعل في الكلمة الافتتاحية التي ألقاها المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية المؤقت أكثر من دلالة على تباين المواقف بين الشقين، ففي خطابه ذكر بضرورة "خفض الاحتقان السياسي والاجتماعي"، معتبرا بذلك أن هذا الاحتقان سببا وليس نتيجة، وهي ذات النقطة التي اختلف فيها معه الاتحاد العام التونسي للشغل عندما طلب المرزوقي السنة الفارطة "هدنة اجتماعية"، كما أن مبدأ حرية التعبير والصحافة وردت في خطاب الرئيس المؤقت في إطار "اتهام صريح" إذ "أدان" ما أسماه "الاحتقان الإعلامي الذي لم يسلم منه إلى حد الآن أي طرف" معتبرا أن "الباب مفتوح على أخطر المغامرات"... رئيس الجمهورية المؤقت، وإن طالب برص الصفوف أمام تنامي ظاهرة التشدد الديني، فإنه قال حرفيا في خطابه "لا أفهم ولا أقبل أن تمنع فتاة منقبة من اجتياز الامتحانات الجامعية"، (وهي الجملة التي لاقت ردة فعل سلبية لدى الحضور) وهي أيضا نظرة لا تنم عن الخلفية الحقوقية للرجل، بل هي بالأساس تضرب في العمق القانون المنظم للمؤسسات التربوية، وتفتح المجال مجددا لانتهاك الفضاء التعليمي... إن تباين الرؤى والمواقف من القضايا الوطنية المعرقلة للانتقال الديمقراطي تجلت بشكل واضح من خلال "الإنشائية المفرطة" لأحزاب الترويكا بالأساس، في الوقت الذي أبانت فيه منظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للتجارة والصناعات التقليدية وبقية الأحزاب التي لم تشارك في حوار قصر الضيافة بقرطاج، أبانوا عن تصورات عملية وممكنة، على الأقل في جانبيها الاقتصادي والاجتماعي، لعل أهمها إيقاف برنامج الإصلاح الهيكلي الجديد، وعدم عقد اتفاقات دولية ذات تأثير في المستقبل، وإيقاف كل الاتفاقيات والصفقات التي تم بمقتضاها البيع أو التفويت في الشركات والمؤسسات والأراضي، والدعوة إلى عدم خصخصة أي شركة أو مؤسسة عمومية، وتعليق تسديد الديون وتكوين لجنة تدقيق في شأنها، إلى جانب تجميد الأسعار ووضع آليات لمقاومة الفساد المالي والتهرب الجبائي... وغيرها من المقترحات العملية، كتلك التي طرحها السيد مصطفى الفيلالي في كلمته الشرفية في الجولة الثانية من مؤتمر الحوار الوطني، والمتعلقة بإنشاء وزير دولة خاص بمنطقة الجنوب لمنحها صلاحيات القرار الجهوي. بالأخير يظل الحوار الوطني، مهما اختلفت فضاءاته ومنظميه والداعين إليه والمشاركين فيه، يظل حوارا ممكنا وبناء إذا كانت أرضيته الأساسية تؤمن بشعار "إن كنا غير شركاء في الحكم فنحن شركاء في الوطن"، وهو الشعار القادر على سد الطريق على كل ما من شأنه أن يهدد سلامة الوطن وكرامة شعبه.